أسمـــــــــاء الله الحسنـــــــــى وصفاتــــــه الحلقـــــــة الثانية والخمسـون بعد المائــــــــــــة في موضــــوع القوي

نبذة عن الصوت

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد : فهذه الحلقةالثانية والخمسون بعد المائة  في موضوع (القوي ) وهي بعنوان : * من الأقوى .. أبو بكر أم عمر؟!

   من الطبيعي أن يتساءل المرء عن الهدف من هذه المقارنة والمفاضلة، ولا بد في البداية من التأكيد على أن المقارنة والتفضيل بالقوة بين اثنين لا يعني نفيها عنمن الأقوى .. أبو بكر أم عمر؟!

من الطبيعيِّ أن يتساءل المرء عن الهدف من هذه المقارنة والمفاضلة، ولا بدَّ في البداية من التأكيد على أنَّ المقارنة والتفضيل بالقوَّة بين اثنين لا يعني نفيها عن أحدهما..

في المخيال الجمعي لجمهور المسلمين يحضرُ أبو بكر رضي الله عنه بوصفه شيخًا رقيقًا سخيَّ الدَّمع تغلبه عبرتُه في مواقف كثيرة، بينما تحضر صورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشَّديدة الحازمة، وتحضر شخصيَّته التي لا تخافُ أحدًا ويحاسب ويعاقب!

ممّا جعلَ انطباعًا يسري في الصورة الذِّهنيَّة العامَّة عند عامَّة المسلمين بأنَّ عمر أقوى من أبي بكرٍ رضي الله عنهما، فتجده أكثر حضورًا في أحاديثهم وأشدَّ تبجيلًا وهيبةً في نفوسِهم.

وأعتقدُ أن هذا يرجع إلى ثلاثة أسباب:

الأوَّل: الصورة النمطيَّة التي رُسِمَت لكلِّ واحدٍ من الخليفتين الرَّاشدَين في كتب السِّير والتَّراجم.

الثاني: طولُ مدَّة خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي امتدَّت عشر سنين مقارنةً بخلافة أبي بكرٍ رضي الله التي لم تتجاوز سنتين ونصف؛ ممَّا جعل حياة عمر رضي الله عنه تلقى اهتمامًا أكبر من حياة أبي بكرٍ رضي الله عنه حتى عند عموم الكتَّاب والدُّعاة والمؤرِّخين.

الثالث: الاستشكال في معنى القوَّة، حيث إنَّ المعنى الانطباعيَّ للقوَّة هو قرين الشِّدَّة والحماسة والاندفاع والإقدام في الحروب والسَّعيُ إلى خوض المنايا والبطشُ بالأعداء؛ وكلُّ هذا من القوَّة طبعًا لكنَّه ليسَ هو روحُها التي تؤهِّل للتَّقديم على الآخرين في القيادة.

روح القوة : إنَّ روح القوَّة تكمن في الثَّبات عند المواقف المفصليَّة، والحزمِ عند تشعُّب المواقف، والمبادرة بالموقف والقرار الحاسم عند وقوع النَّوازل المزلزلة.

إنَّ القوَّة هي قدرةُ فردٍ أو جماعةٍ على التَّأثير في سلوك الآخرين وإحداث أمرٍ فارقٍ في مسار الأحداث

 والبراعة في المبادرة المفضية إلى حمل الآخرين على التصرُّف بطريقةٍ تُضيف إلى مصالح المشروع الذي يخدمه هذا الشَّخص القوي.

إنَّ القوَّة هي العزم في أوانه بلا تأخُّرٍ أو تردُّد، وهي الإقدام في موضعه بلا تقهقرٍ أو تضعضُع، وهي الشِّدَّة في مكانِها بلا تأجيلٍ أو تسويف، وهي القرارُ الذي لا يحتملُ التَّأجيل ولا يقبلُ التَّهاون.

إنَّ القوَّة هي الثَّباتُ حين تزلُّ الأقدام، وهي الطمأنينة حين تتزلزلُ القلوب وتفرغُ الأفئدة، وهي السكينةُ حين تطيشُ العقول، وهي امتلاك الأعصاب حين يفقد الحليمُ صوابَه وتنفلتُ أعصابُه من عقالِها.

مواقف مفصلية :

إذا تتبَّعنا سيرة كلٍّ من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فإنَّ الكثير من المواقف تستوقفنا في إطار المقارنة بين قوَّة الرجلين؛ غير أنَّني سأكتفي بذكر ثلاثة مواقف وسأختارُها من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث يتجلَّى فيها تفرُّد الشخصية واستقلالها؛ لنرى من خلالها من هو الأقوى.

الموقف الأول: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

لا يشكُّ عاقلٌ في أنَّ الزلزلة الأعظم التي مرَّت على المسلمين في تاريخهم كلِّه هي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكم أن تستحضروا هذا اليوم الذي كان أشدَّ إظلامًا في تاريخ الأمَّة؛ حيث طاشت العقول والقلوب وزلَّت الأقدام وخرج الناس من دين الله أفواجًا.

في ذلك اليوم المفصلي لم يُصدِّق عمر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات وامتشق سيفه مهدِّدًا كلَّ من يدَّعي ذلك بأن يفتك به.

وقال مخاطبًا الناس: "إنَّ رجالًا من المنافقين يزعمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تُوفِّي، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنَّه ذهب الى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلةً ثمَّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى؛ فليُقطِّعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم زعموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات".

أمَّا أبو بكر رضي الله عنه فقد أقبل حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يُكلِّم الناس، فلم يلتفت إلى شيءٍ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف البُردَة عن الوجه الشَّريف، وأخذ يُقبِّله وهو يقول:"بأبي أنتَ وأمي، أمَّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمَّ لن تُصيبَك بعدها موتة أبدًا".

ثمّ خرجَ إلى الناس وعمرُ يكلِّمهم فقال: "على رسلك يا عمر، أنصِتْ"، وعمر لا يستجيب؛ فأقبلَ على الناس يُخاطبهم، فلمَّا سمع الناس كلامَه أقبلوا عليه

وتركوا عمر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال:‏ "أيُّها الناس، إنَّه من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت". ثمَّ تلا قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].

‏ قال عمر:‏ "والله ما هوَ إلَّا أن سمعتُ أبا بكرٍ تلاها، فعُقِرْتُ حتى وقعتُ إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات".

لا يختلف أحدٌ في أنَّ موقف الصديق رضي الله عنه عَصَمَ الأمَّة وحافظ عليها في أحرج السَّاعات وأحلكها؛ يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلى هنا ونكمل في اللقاء القادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.