التوبة

 

 

التوبة

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله الا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله  قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وبعد :

فهذه الحلقة الأولى في موضوع ( التوبة ) وهي بعنوان :

مقدمة :

   ما من أحد إلاَّ وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الغفور الرحيم ، وما من عبد إلا ويعتريه التقصيرمهما بلغ إيمانه، إذا عُلم ذلك فإن التوبة عبادة لا يستغني عنها أحدمن المكلفين أبداً، وأنها أول درجات السير إلى الله تعالى، فالعبد بحاجة إليها في بدايته إلى نهايته ومماته، فالاستغفار واجب على الدوام، إما من معصية أو من الهمِّ بها، أو ترك واجب وتهاون به، أو من وساوس الشيطان، أو تقصير أو جهل.....                                                                     ومن ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال، كما ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يدخلَ الجنَّةَ أحدٌ بعمله»، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».

   ولأهمية التوبة والإستغفار وتقصيرنا فيها قررت جمع شتات هذا الموضوع المهم وهو يتكون من  :          

آي الذكر الحكيم ،وأحاديث المصطفي المرسل رحمة للعالمين ،وكلام الصحابة الغر الميامين ، والتابعين ،ومن تبعهم من الأئمة والمفسرين والعلماء والكتاب الى يومنا هذا وقد عزوت كل نص الى قائله وهو اقرب ما يكون الى التفسير الموضوعي...

   إن اصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان واستغفر الله من كل ذنب وخطأ إنه هو الغفور الرحيم

#المعنى اللغوي للتوبة :

 تاب إلى الله: تراجع وتوقف عن الفعل غير الصواب وتحول إلى أمر الله الأكثر صواباً إذعاناً لله

تَوْبَة: على وزن "فَعْلَة "اسم فعل بمعنى مفعول للمرة من " تَابَ

تَائِب: اسم فاعل صفة مشبهة من " تَابَ ، تائِبُوْن: جمع  ، تَائِبَة: مؤنث" تَائِب"

   والتَّوَّاب : اسم من أسماء الله الحسنى ، ومعناه : الذي يتوب على عباده ويقبل توبتهم ويتجاوز عن سيئاتهم ، وتواب : كثير التوبة

و تاب المذنبُ إلى الله ندِم على ما صدر عنه ، ورجع عن المعصية      و تاب اللهُ عليه : تاب اللهُ عنه ووفّقه للرُّجوع عن المعصية وغَفَر له وصَفَح عنه ، والتوبة النصوح أن يتوب العبد عن الذنب ولا يعود إليه ، - { فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ }

#المعنى الإصطلاحي للتوبة :

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " فحقيقة التوبة : هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل، والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة؛ فإنه في ذلك الوقت يندم، ويقلع، ويعزم، فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها، وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة " . أ . هـ . (3)   

     وقال الراغب: التوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه  وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك،

وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع : ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. وتاب إلى الله، فذكر"إلى الله" يقتضي الإنابة. نحو: {فتوبوا إلى بارئكم} {وتوبوا إلى الله جميعا} ، {أفلا يتوبون إلى الله}

والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده.

والتواب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال.

وقوله: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } ، أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح وتحري الجميل.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانيةفي موضوع التوبة وهي بعنوان :

#منهج فهم معنى الاسم الحسن(التواب ) والتعبد به

المسلك الأول: التواب في اللغة من صيغ المبالغة، يقال تاب إلى الشيء يتوب توبا إذا رجع

والتوبة الرجوع عن الشيء إلى غيره، والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله والله تائب على عبده، قال تعالى ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾

المسلك الثاني: دل هذا الاسم على تسمية الله بالتواب واتصافه بصفة التوبة بالمطابقة، وعلى أحدها بالتضمن، وهو من أسماء صفات الأفعال المتعلق بالمشيئة.

وتوبة الله على عبده نوعان:

أحدهما: يوقع في قلب عبده التوبة إليه والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، ويستبدلها بعمل صالح.

والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها، فإن التوبة النصوح تجبُّ ما قبلها.

قال ابن القيم رحمه الله:

وكذلك التواب من أوصافه ***************والتوب في أوصافه نوعان

إذنٌ بتوبة عبده وقبولها*********************** بعد المتاب بمنة المنان

قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾وقال سبحانه﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

المسلك الثالث: ودل هذا الاسم على تنزيه الله تعالى من الأمر بالفحشاء والسوء، ﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ﴾  ، وأنه لا أحد يحول بين العبد وبين توبة ربه عليه.

المسلك الرابع: قال الغزالي: التواب هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما يظهر لهم من آياته، ويسوق إليهم من تنبيهاته، ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه؛ فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم،

وقال ابن سعدي: التائب على التائبين: أولا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم: قبولاً لها، وعفواً عن خطاياهم

المسلك الخامس: تعلق هذا الاسم بتوبة الله على عباده ودعوتهم إليها، وتأمل هذه التوبة الجليلة بعد الابتلاء والاختبار، يقول تعالى ﴿ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ وفي الحديث القدسي: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"، رواه الترمذي عن أنس..

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثةفي موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي  بعنوان : منهج فهم معنى الاسم الحسن(التواب ) والتعبد به

ومن مقتضيات التوبة: نداء العباد إليها ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ، وبسط يد الله لهم بها، عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"، رواه مسلم.

 ومن آثار التوبة: أن الله يفرح بتوبة عبده إذا تاب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" كيف تقولون لفرح رجل انفلتت منه راحلته، تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها فلم يجدها حتى شق عليه، ثم مرت بجذل شجرة، فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به؟ أما والله لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته"، رواه مسلم عن البراء،

ويحب سبحانه التائبين ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ ، ويبدل سيئات أعمالهم وأحوالهم حسنات ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًاصَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) ويدخلهم سبحانه في نعيم جنته، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ 

المسلك السادس: اقترن هذا الاسم باسم الله الرحيم كثيرًا في القرآن كما في قوله تعالى ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ؛ لأن توبته على عباده من مقتضيات رحمته بهم، واقترن كذلك باسم الله الحكيم، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ ، فهي توبة عن حكمة لله عظيمة في إيجاد الذنب ثم مغفرته بالتوبة، واقترن بعدة أوصاف في قوله تعالى ﴿ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

المسلك السابع: هذا الاسم من مجموعة الأسماء الدالة على سعة رحمة الله وكرمه، كالرحيم والغفور والحليم والعفو، ونحوها، قال تعالى ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

المسلك الثامن: العبد يسمى أيضًا تائب وتواب، وله من هذا الاسم نصيب، لكن توبة العبد وقعت بين توبتين لله تعالى، يقول ابن القيم رحمه الله: وتوبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها؛ فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة؛ فإنه تاب عليه أولاً إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد؛ فتاب الله عليه ثانيًا قبولاً وإثابة، قال الله سبحانه وتعالى ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم؛ فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله تعالى عليهم.. ثم قال: والعبد تواب والله تواب؛ فتوبة العبد: رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق وقبول وإمداد.

المسلك التاسع: كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يتعبد الله بهذا الاسم، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى، ثم قال:" اللهم اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم حتى قالها مائة مرة"، أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن عائشة، وكان في صلاته يتأول القرآن يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، يتأول قوله تعالى ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾  وكان يتعبد لله بالتوبة إليها والرجوع، وزكى الله توبته وتوبة من معه فقال ﴿ لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾.

# وكان من أذكاره صلى الله عليه وسلم بعد الوضوء: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"، رواه الترمذي عن عمر، وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه قال: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعةفي موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضيتين والتي هي  بعنوان : منهج فهم معنى الاسم الحسن(التواب ) والتعبد به

المسلك العاشر: ومن هدي السلف الصالح ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه لما رأى مغنيًا يغني بطنبور، فقال: ما أجمل هذا الصوت لو كان بالقرآن، فلما سمع ذلك، أعلن توبته، وأتى ابن مسعود، فعانقه، وقال: مرحبًا بحبيب الرحمن، فأوقفه على مقتضى من مقتضيات اسم الله التواب؛ أن الله يبدل السيئات حسنات، ويصبح التائب حبيبًا للرحمن، فاستقام هذا التائب حتى أصبح من علماء الأمة.

المسلك الحادي عشر: ينبغي علينا أن نحرص على أن نتعبد الله تعالى بهذا الاسم من خلال:

# الدعاء: ومن أدعية الأنبياء في القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾  ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه عبد الله بن مسعود:" ربنا أصلح بيننا، واهدنا سبيل الإسلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قائلين بها، وأتممها علينا، أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

# تعبيد الأسماء لله بهذا الاسم فيسمي عبد التواب وأمة التواب، وهو قليل في الناس.

# تسبيح الله بهذا الاسم: قال تعالى﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾.

# القيام بما يقتضيه من فعل التوبة والإكثار منها، قال تعالى {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، فقسمت هذه الآية الناس فريقين لا ثالث لهما: تائب وظالم، وقال الله في التائبين: ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾، وبتوبته تحقق له الخيرية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، رواه الترمذي عن أنس.

# والعبد بحاجة دائمًا للتوبة والإنابة إلى ربه، " ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنًا توابًا نسيًا، إذا ذكر ذكر"، رواه الطبراني عن ابن عباس، فلا بد أن يظهر أثر هذا الاسم على العباد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، رواه مسلم عن أبي هريرة.

# ومن مقتضى هذا الاسم أن يبادر العبد بالتوبة إلى ربه تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

المسلك الثاني عشر: أن نتخلق بخلق العفو عن الناس والصفح عنهم، يقول الغزالي: من قبل معاذير المجرمين من رعاياه وأصدقائه ومعارفه مرة بعد أخرى فقد تخلق بهذا الخلق وأخذ منه نصيبًا

وفي الصحيح:" حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلاً موسرًا، وكان يخالط الناس، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه"، رواه الترمذي.

المسلك الثالث عشر: وبهذا يتجلى أن التوبة على العباد من الذنوب إنما اختص الله بها على أكمل وجه وأتم معنى، فإلى من يتجه العبد بعد الله وليس أحد من دونه مهما كان صلاحه وخيره يملك التوبة على العباد، واسمع لقول الله تعالى ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# عبارة العلماء في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا:

قال القرطبي : قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله } أمر بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان . والقول فيها في " النساء " وغيرها . توبة نصوحا اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا :

 فقيل : هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع ; وروي عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم . ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة .        وقيل الخالصة ; يقال : نصح أي أخلص له القول .                   وقال الحسن : النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره .

وقيل : هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها .

وقيل : هي التي لا يحتاج معها إلى توبة .

وقال الكلبي : التوبة النصوح الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإقلاع عن الذنب ، والاطمئنان على أنه لا يعود .

 وقال سعيد بن جبير : هي التوبة المقبولة ; ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط : خوف ألا تقبل ، ورجاء أن تقبل ، وإدمان الطاعات . وقال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم .

وقال القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، وإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيئ الخلان .

وقال سفيان الثوري : علامة التوبة النصوح أربعة : القلة والعلة والذلة والغربة .

وقال الفضيل بن عياض : هو أن يكون الذنب بين عينيه ، فلا يزال كأنه ينظر إليه .

ونحوه عن ابن السماك : أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك .

وقال أبو بكر الوراق : هو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، وتضيق عليك نفسك ; كالثلاثة الذين خلفوا .

وقال أبو بكر الواسطي : هي توبة لا لفقد عوض ; لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه ثم تاب طلبا لرفاهيتها في الآخرة ; فتوبته على حفظ نفسه لا لله .

وقال أبو بكر الدقاق المصري : التوبة النصوح هي رد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وإدمان الطاعات .

وقال رويم : هو أن تكون لله وجها بلا قفا ، كما كنت له عند المعصية قفا بلا وجه .

وقال ذو النون : علامة التوبة النصوح ثلاث : قلة الكلام ، وقلة الطعام ، وقلة المنام .

وقال شقيق : هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة ، ولا ينفك من الندامة ; لينجو من آفاتها بالسلامة .

وقال سري السقطي : لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين ; لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله .

 وقال الجنيد : التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدا ; لأن من صحت توبته صار محبا لله ، ومن أحب الله نسي ما دون الله .

وقال ذو الأذنين : هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح ، وقلب عن المعاصي جموح .

وقال فتح الموصلي : علامتها ثلاث : مخالفة الهوى ، وكثرة البكاء ، ومكابدة الجوع والظمأ .

وقال سهل بن عبد الله التستري : هي التوبة لأهل السنة والجماعة ; لأن المبتدع لا توبة له ; بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب .

وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه . وأصل التوبة النصوح من الخلوص ; يقال : هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع .

وقيل : هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة . وفي أخذها منها وجهان : أحدهما : لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه .

والثاني : لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم ; كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض .

وقيل : يجوز أن يكون نصوحا ، جمع نصح ، وأن يكون مصدرا ، يقال : نصح نصاحة ونصوحا . وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر ، نحو الذهاب والذهوب . وقال المبرد : أراد توبة ذات نصح ، يقال : نصحت نصحا ونصاحة ونصوحا

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#أهميَّة التوبة والاستغفار:

   للتوبة والاستغفار أهمية كبيرة ومكانة عظيمة عند الله ـ سبحانه ـ لذا ذكره في مواضع كثيرة من كتابه، فقد وصف نفسه العلية بالتواب وبالغفار وبالعفوِّ وبالغفور، وبأنه أهل التقوى والمغفرة، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وقال جل وعلا: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة﴾، وأمر الله ـ سبحانه ـ نبيه محمَّدًا ﷺ بالاستغفار، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ الله إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وأمرالمؤمنين بالاستغفار فقال عز وجل: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا  الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ ، وامتدح المستغفرين فقال جلَّ وعلا:﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ  وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾ وقص الله علينا عن أنبيائه أنهم كانوا ملازمين للاستغفار، ويدعون أقوامهم إليه ويحضُّونهم عليه، فَذَكَر عن الأبوين عليهما السلام أنهما لما خالفا أمر الله عز وجل وأَزَلَّهُمَا الشيطان وأوقعهما فيما نهاهما الله عنه: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾، وقال تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ وحث قومه على الاستغفار فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، وهود عليه السلام يقول لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ، وإبراهيم الخليل عليه السلام يقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾، وموسى عليه السلام يقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ

 الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾، وداود عليه السلام يقول الله في شأنه: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب﴾

وقد كان نبيُّنا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كثير الاستغفار، يعدُّ له أصحابه في المجلس الواحد مائة مرَّة: «رَبِّ اغْفِرْلِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» وفي رواية: «إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ»

وها هو أفضل الأمة وخيرها بعد نبينا محمد ﷺ أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ يسأل رسول الله ﷺ فيقول: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ»

# أقوال مأثورة في الاستغفار:

روي عن لقمان أنَّه أوصى ابنه فقال: «عَوِّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا».

وقالت عائشة رضي الله عنها: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا»

وقال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله: «إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار».         وقال الحسن رحمه الله: «أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقاتكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة».

ومن الآثار التي تُروى: قصة الحسن البصري مع الحمال، فقد استأجر الحسن حمالا، فسمعه يقول: «الحمد لله وأستغفر الله» طول الطريق، فقال له الحسن: ما هذا إنك لا تحسن غير هذا الكلام؟! فقال: إني أحفظ نصف القرآن، ولكني أعلم أن العبد بين أمرين: نعمة نازلة عليه من الله وجب عليه حمده وبين ذنب فيه صاعدا إليه وجب عليه استغفاره، لهذا أقول دائما وأبدا: «الحمد لله وأستغفر الله»، فقال الحسن: حمال أفقه منك يا حسن!».

وقال علي رضي الله عنه ما ألهم الله سبحانه عبدا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.

 وقال الربيع بن خثيم: "تضرعوا إلى ربكم وادعوه في الرخاء فإن الله قال: من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ومن سألني أعطيته ومن تواضع لي رفعته، ومن تفرغ لي رحمته، ومن استغفرني غفرت له"

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي  بعنوان :  أقوال مأثورة في الاستغفار:

- وقال أحد العلماء: "الاستغفار استصلاح الأمر الفاسد قولا وفعلا. يقال اغفروا هذا الأمر، أي أصلحوه بما ينبغي أن يصلح".

- وقال بعضهم: "الاستغفار طلب المغفرة من الغفار، وهو ما يغطي به الشيء".

- وقال عالم: "أربعة أشياء من العبد وأربعة من الرب: الشكر من العبد، والزيادة من الرب، والطاعة من العبد، والقبول من الرب، والدعاء من العبد، والإجابة من الرب، والاستغفار من العبد، والغفران من الرب"

- وعن يونس بن عبيد عن بكر بن عبد الله قال : "إنكم تستكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار، وإن الرجل إذا أذنب ذنبا ثم رأى إلى جنبه استغفارا سره مكانه"  

- وعن أبي المنهال قال: "ما جاور عبد في قبره جار خير من استغفار كثير"

- وقال عبد الله بن شقيق: "الرجال ثلاثة: رجل علم حسنة فهو يرجو ثوابها، ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة، والثالث: الرجل الكذاب يتمادى في الذنوب ويقول أرجو المغفرة، ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون الخوف غالبا على رجائه".

- وعن الحسن قال: "إن الرجل يذنب الذنب فلا ينساه وما يزال متخوفا منه حتى يدخل الجنة".

- وعن ابن مسعود –رضي الله عنه- قال: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا".

- وقال ابن حجر: "المؤمن يغلب عليه الخوف، لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم، أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ،    وقال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن، لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة".

- وقال علي –رضي الله عنه: "العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار".

 وقال بعض العلماء: "العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحها إلى الحمد والاستغفار".

وروي عن عمر –رضي الله عنه- أنه سمع رجلا يقول: "استغفر الله وأتوب إليه"، فقال له: يا حميق، قل: توبة من لا يملك لنفسه ضر ولا نفعا ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا.

 وقال بكل المزني: "لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي لكان نوله أن يفعل".

  وقال علي –رضي الله عنه: "خياركم كل مفتن تواب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: حتى متى؟ قال: يكون الشيطان هو المحسور

وقيل للحسن البصري: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود، فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا من الاستغفار، وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني: أن المؤمن كلما أذنب تاب.

 وقال عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه- في خطبته: "من أحسن منكم، فليحمد الله، ومن أساء فليستغفر الله، فإنه لابد لأقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم، وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى عنه أنه قال: أيها الناس من ألم بذنب، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها.، وعن عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- قال: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله عز وجل لم يحبسه شيء حتى يمحوها عنه الرحمن.

قال أبو موسى –رحمه الله: قد كان فيكم أمانان:

1- " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ "

2- " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " أحسبه قال : أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله وأما الاستغفار فهو كائن بينكم إلى يوم القيامة.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# فضل التوبة :

 وردت العديد من النصوص التي تبين فضل التوبة ، ومن ذلك:

(1) سببٌ لنيلِ محبةِ الله عز وجل

قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ " إذ في التوبة تقرب من الله تعالى بالإقدام على الطاعة واجتناب المعصية . ولهذا قال " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " أي : من الذنب وإن تكرر غشيانه .  

وقال الإمام الطبري رحمه الله : " يعني تعالى ذكره بقوله " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته إليه وإلى طاعته "  

(2) سببٌ للفلاح في الدنيا والآخرة

قال تعالى : " وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ". ومن تاب إلى اللَّه كما أمره اللَّه نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنّة ورضى اللَّه تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور.  

(3) سبيل عدم الخوض في الظلم

قال تعالى : " وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "." وَمَن لَّمْ يَتُبْ " عما نهى الله عنه " فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " لارتكابهم ما نهى الله عنه وامتناعهم من التوبة .  

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : " قال تعالى " وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " قسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث ألبتة، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه؛ لجهله بربه وبحقه، وبعيب نفسه وآفات أعماله "

 (4) سبب لتكفير السيئات ودخول الجنات

قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " وقال تعالى : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "

وروى البخاري ومسلم في " صحيحهما " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ "، فَقَالُوا : " كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟! "، قَالَ : " يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ " .

 (5) سبب لتبديل السيئات حسنات قال الله عز وجل : " إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً "

وروى مسلم في " صحيحه " عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا : رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ " اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا "، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ : " عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا "، فَيَقُولُ : " نَعَمْ "، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ : " فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً "، فَيَقُولُ : " رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا ؟! "، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .

 (6) سبب لتحصيل دعاء الملائكة واستغفارهم قال عز وجل حكاية عن الملائكة أنهم يدعون الله قائلين : { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ  أي : فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا كما كانوا فيه وأتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات .  

فالتوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها، وحاجتنا إلى التوبة ماسة بل إن ضرورتنا إليها مُلِحَّة؛ فنحن نذنب كثيراً، ونفرط في جنب الله ليلاً ونهاراً فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين الذنوب.

ولقد يسر الله أمر التوبة، وفتح أبوابها لمن أرادها، فهو عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

وباب التوبة مفتوح للكفار، والمشركين، والمرتدين، والمنافقين، والظالمين، والعصاة، والمقصرين.000000                  

قال الإمام ابن القيم رحمه الله :

" فحقيقة التوبة : هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل، والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة؛ فإنه في ذلك الوقت يندم، ويقلع، ويعزم،فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها، وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة "

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي  بعنوان : ومن فضائل التوبة أيضاً :

* أنها سبب لقبول أعمال العبد والعفو عن سيئاته قال تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " ، وقال تعالى " ومن تاب وعمل صالحاً فانه يتوب إلى الله متابا " .

* أنها سبب لدخول الجنة والنجاة من النار قال تعالى " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا *إلا من تاب وامن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا

* أنها سبب للمغفرة والرحمة قال تعالى " والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وامنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " .

* أنها سبب في تبديل السيئات إلى حسنات قال تعالى " ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وامن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما " .

* أنها سبب لكل خير قال تعالى " فان تبتم فهو خير لكم " ، وقال تعالى " فان يتوبوا يك خير لهم "

* أنها سبب للإيمان والأجر العظيم قال تعالى " إن الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين اجر عظيما " .

* أنها سبب في نزول البركات من السماء وزيادة القوة قال تعالى " ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين " .

* أنها طاعة مراده لله عز وجل قال تعالى " والله يريد أن يتوب عليكم " فالتائب فاعل لما يحبه ويرضاه .

* أن الله يفرح بتوبة العبد قال عليه الصلاة والسلام " لله اشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فيأس منها فأتى شجرة فأضجع في ظلها وقد يأس من راحلته فينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فاخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح :" اللهم أنت عبدي وأنا ربك اخطأ من شدة الفرح " رواه مسلم .

# شروط التوبة

    من سعة الله ورحمته بعباده  شرع لهم التوبة والإنابة إليه وحثهم عليها ورغبهم فيها، ووعد التائب بالرحمة والغفران مهما بلغت ذنوبه، فمن جملة ذلك قوله جل وعلا: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ } وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ، وقد تضافرت دلائل الكتاب والسنة على وجوب التوبة، ولزوم المبادرة إليها، وأجمع على ذلك أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى، وإذا علم ذلك فإن التائب لا يكون تائباً حقاً إلا إذا توفرت في توبته خمسة شروط:

الشرط الأول: الإخلاص وهو أن يقصد بتوبته وجه الله عز وجل.

الثاني: الإقلاع عن الذنب.  الثالث: الندم على فعله   ، الرابع: العزم على عدم الرجوع إليه. الخامس: أن تكون التوبة قبل أن يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت.

وينضاف شرط آخر يتعلق بحقوق العباد وهو أنه لا بد أن يبذل قدر طاقته ووسعه في رد الحقوق إلى أصحابها، فإن عجز عن معرفة أصحابها بعد محاولات متكررة وبحث جاد فليتصدق بتلك الحقوق -إن كانت موجودة- وإن كانت غير موجودة فليتصدق بقيمتها إن كان قادراً على ذلك، على أنه متى ما وجد أصحابها خيرهم بين أن يرد عليهم مثل ما أخذ منهم أو قيمته وبين أن يقبلوها صدقة عنهم.

ثم إن عليه أن يكثر من أعمال البر، فإن أصحاب الحقوق قد يطالبونه بها يوم القيامة، والله حكم عدل فقد يوفيهم إياها من حسناته، فعليه أن يكثر من الحسنات.والله أعلم.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة العاشرة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

التوبة تجب ما قبلها

   قال الشيخ ابن باز : اعلم أن رحمة الله أوسع وأن إحسانه عظيم وأنه جل وعلا هو الجواد الكريم وهو أرحم الراحمين وهو خير الغافرين سبحانه وتعالى واعلم أيضاً أن الإقدام على المعاصي شرٌ عظيم وفسادٌ كبير وسبب لغضب الله ولكن متى تاب العبد إلى ربه توبةً صادقةً تاب الله عليه، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم مرات كثيرة عن الرجل يأتي كذا ويأتي كذا من الهنات والمعاصي الكثيرة ومن أنواع الكفر ثم يتوب فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (التوبة تهدم ما كان قبلها والإسلام يهدم ما كان قبله)   

وبلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها". وفي لفظ آخر: (الإسلام يَجُب ما كان قبله والتوبة تَجُب ما كان قبلها)

وبلفظ: "إن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها...". يعني تمحوها وتقضي عليها فعليك أن تعلم يقيناً أن التوبة الصادقة النصوح يمحو الله بها الخطايا والسيئات حتى الكفر، ولهذا يقول سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فعلق الفلاح في التوبة، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

 وعسى من الله واجبة، المعنى أن التائب التوبة النصوح يغفر له سيئاته ويدخله الله الجنة فضلاً منه وإحساناً سبحانه وتعالى.

فعليك يا أخي التوبة الصادقة، ولزومها والثبات عليها والإخلاص لله في ذلك، وأبشر بأنها تمحو ذنوبك ولو كانت كالجبال.

وقال السشيخ ابن بار : شروط التوبة ثلاثة: الندم على الماضي مما فعلت ندماً صادقاً، والإقلاع من الذنوب، ورفضها وتركها مستقبلاً طاعة لله وتعظيماً له، والعزم الصادق ألاّ تعود في تلك الذنوب، هذه أمور لا بد منها، أولاً: الندم على الماضي منك والحزن على ما مضى منك، الثاني: الإقلاع والترك لهذه الذنوب دقيقها وجليلها، الثالث: العزم الصادق ألاّ تعود فيها فإن كان عندك حقوق للناس، أموال أو دماء أو أعراض فأدها إليهم، هذا أمر رابع من تمام التوبة، عليك أن تؤدي الحقوق التي للناس إن كان قصاصاً تمكن من القصاص إلا أن يسمحوا بالدية، إن كان مالاً ترد إليهم أموالهم، إلا أن يسمحوا، إن كان عرضاً كذلك تكلمت في أعراضهم، واغتبتهم تستسمحهم، وإن كان استسماحهم قد يفضي إلى شر فلا مانع من تركه، ولكن تدعو لهم وتستغفر لهم، وتذكرهم بالخير الذي تعلمه منهم في الأماكن التي ذكرتهم فيها بالسوء، ويكون هذا كفارة لهذا، وعليك البدار قبل الموت، قبل أن ينـزل بك الأجل، عليك البدار، والمسارعة، ثم الصبر والصدق، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } افهم معنى {وَلَمْ يُصِرُّواْ }يعني لم يقيموا على المعاصي، بل تابوا وندموا وتركوا، ولم يصرّوا على ما فعلوا، وهم يعلمون، انتقل بعد ذلك – سبحانه – إلى {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } هذا جزاء التائبين الذين أقلعوا ولم يصرّوا لهم الجنة، والله ولي التوفيق.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الحادية عشرة في موضوع التوبة وهي  بعنوان :

# الفرق بين التوبة والاستغفار؟ وهل ينفع الاستغفار بدون توبة

     كل من التوبة والاستغفار سبب مستقل للمغفرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: موانع لحوق الوعيد متعددة، منها: التوبة, ومنها: الاستغفار, ومنها: الحسنات الماحية للسيئات, ومنها: بلاء الدنيا ومصائبها, ومنها: شفاعة شفيع مطاع، ومنها: رحمة أرحم الراحمين. اهـ.

وقد عقد ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم فصلًا عن معنى الإصرار، قال فيه: الإقامة على الذنب  مع العزم على التوبة وتسويفها، أو مع الهمِّ بها، والندم والاستغفار، ففي كونه إصرارًا نظرٌ؛ لاختلاف أئمة اللغة في النَّقل؛ ولما في ظواهر القرآن والحديث في الاستغفار والاعتراف والندم. اهـ.

    ثم ذكر تحت الاستغفار حديث: ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة. وذكر تحت الاعتراف قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وحديث سيد الاستغفار، ثم قال: فقوله فيه: (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي ) أي: أقر وأعترف، فدل على أن للإعتراف أثرًا في مغفرة الذنوب، وكذلك الاستغفار، وقد جمعا في هذا الاستغفار العظيم، ولو كان بمنزلة التوبة، لم يشترط في المغفرة لصاحبه أن يموت من يومه قبل أن يمسي, أو في ليله قبل أن يصبح، فإن التائب يغفر له ما لم يَعُدْ بالإجماع؛ ولأنه رتب المغفرة على القول واليقين به، لا سوى ...   فهذا ما لم يتقدم ذكره من الاستدلال على الفرق بين التوبة الشرعية والاستغفار، والفرق بينهما أكثر من أن يحصى إذا تتبعت. اهـ.    ولإيضاح الفرق بينهما، نشير إلى أن التوبة النصوح: تُصلِح ماضي العبد وحاضره ومستقبله إذا تحققت شروطها، فشرط الندم يُصلح الماضي، وشرط الإقلاع عن الذنب يُصلح الحاضر، وشرط العزم الصادق على عدم العود يُصلح المستقبل.

   وأما الاستغفار فإنه يقصد به أصالة إصلاح الماضي، فينفع بمجرد اقترانه بالندم, والخوف من لحوق الوعيد، وهو في حقيقته نوع من الدعاء، فهو سؤال المغفرة، فيشترط له ما يشترط في الدعاء، كحضور القلب, وصدق الطلب, والافتقار إلى الله

 قال أبو الحسن المباركفوري في مرعاة المفاتيح عن الفرق بينهما:     التوبة هي: الندم على ما فرط في الماضي، والعزم على الامتناع منه في المستقبل، والاستغفار: طلب الغفران لما صدر منه، ولا يجب فيه العزم في المستقبل. اهـ. وليس معنى هذا أن استغفار المستهتر بالذنوب المصرِّ عليها يزيل ذنبه، بل لا يكاد مثل هذا أن ينفعه استغفاره؛ لأن قلبه غافل عن الله، لاهٍ بمعاصيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه.  

   قال المناوي في التيسير: أي: لا يعبأ بسؤال سائل مشغوف القلب بما أهمه من دنياه،

وقال الإمام الرازي: أجمعوا على أن الدعاء مع غفلة القلب لا أثر له. اهـ.

وقال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية: الفرق بين الاستغفار والتوبة: أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء, والتوبة, أو غيرهما من الطاعة،

والتوبة: الندم على الخطيئة, مع العزم على ترك المعاودة, فلا يجوز الاستغفار مع الإصرار؛ لأنه مسلبة لله ما ليس من حكمه ومشيئته ما لا تفعله مما قد نصب الدليل فيه، وهو تحكم عليه كما يتحكم المتآمر المتعظم على غيره بأن يأمره بفعل ما أخبره أنه لا يفعله. اهـ.

وسئل الشيخ ابن عثيمين عن الفرق بين التوبة والاستغفار، وهل للاستغفار أثر في تخفيف الذّنب مع الإصرار؟ فأجاب: الاستغفار يكون عن ذنبٍ مضى، والتوبة لما يستقبل، فالاستغفار مقدمة للتوبة، كالتخلية قبل التحلية؛ ولذلك قرن الله بينهما، كما في قوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ) ولا ينفع الاستغفار مع الإصرار؛ لأنه إلى الاستهزاء أقرب منه إلى الحسنات. اهـ.

وقال ابن القيم في مدارج السالكين: الاستغفار نوعان: مفرد, ومقرون بالتوبة، فالمفرد: كقول نوح - عليه السلام - لقومه: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا}  وكقول صالح لقومه: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون}.. والمقرون كقوله تعالى: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب, وإزالة أثره, ووقاية شره، فلا بد في لفظ المغفرة من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته، فهذا ليس باستغفار مطلق؛ ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق, وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع, وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله. اهـ. 

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية عشرة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

فوائد وثمرات الاستغفار:

قال تعالى : { وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين(52) }

 إن شريعة الله جاءت بما فيه صلاح البلاد والعباد، جاءت بالحث على كل خير، والتحذير من كل شر، فكل خير قد حثنا المولى عليه، وكل شر حذرنا منه

ومما حثنا عليه الاستغفار، فقد جاءت نصوص كثيرة بالحث عليه، والترغيب فيه، ومدح أهله، ومن ذلك قوله - تعالى -:(وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) وقوله: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) وقوله: (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ) وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) وكقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم، ولجاء بقومِ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم).

وليس في الحديث التساهل في الوقوع في الذنب، ثم الاستغفار بعد ذلك؛ وإنما فيه بيان لحالة العبد بعد توبته واستغفاره من الذنب، وأنه إذا أذنب فقد جعل الله له مخرجا من ذلك بالتوبة والاستغفار، قال ابن عثيمين - رحمه الله -: "وهذا ترغيب في أن الإنسان إذا أذنب، فليستغفر الله، فإنه إذا استغفر الله - عز وجل - بنية صادقة، وقلب موقن، فإنه الله - تعالى -يغفر له: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)"

وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الحاثة على الاستغفار، والمرغية فيه وإذا تاب العبد إلى ربه، واستغفره، وأناب إليه؛ فإن نفع ذلك يعود إلى العبد نفسه، فإن الله يكرمه بكرامات عديدة، ويمنحه فوائد جليلة، ويغدق عليه بذلك ثمرات كثيرة، ومن هذه الفوائد والثمرات ما يلي:

أولا: الاستجابة لنصوص الكتاب والسنة: التي جاءت بالحث على ذلك، وكذلك الاقتداء والتأسي بأنبياء الله ورسله؛ فإنهم كانوا يكثرون من التوبة والاستغفار، وكذلك التشبه بكل عبد صالح مستغفر.

ثانيا: المتاع الحسن في الدنيا، وإيتاء كل ذي فضل فضله في الآخرة: قال الله -جل شأنه-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)

يقول ابن كثير -رجمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: "أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله - عز وجل - فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك: (يمتعكم متاعا حسنا) أي في الدنيا (إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) أي في الدار الآخرة"

ثالثا: إنزال المطر وزيادة القوة: قال - تعالى -عن هود - عليه السلام - أنه قال لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)

يقول البغوي - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية: "أي: يرسل المطر عليكم متتابعا مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي: شدة مع شدتكم، وذلك أن الله - عز وجل - حبس عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فلم يلدن"

فالاستغفار مع الإقلاع عن الذنب سببٌ للخصب والنماء وكثرة الرزق وزيادة العزّة والمنعة، يقول ابن كثير - رحمه الله -: "ومن اتصف بهذه الصفة- أي صفة الاستغفار-، يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ عليه شأنه وقوته، ولهذا قال: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً)

رابعا: إجابة الدعاء: قال - تعالى -حاكيا عن صالح - عليه السلام - أنه قال لقومه: (اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) فوعد الله من استغفره وتاب إليه، بإجابة الدعاء، وشواهد ذلك في التاريخ كثيرة..

خامسا: أن المستغفرين ممن شملتهم رحمة الله ووده: فهذا نبي لله شعيب - عليه السلام - يقول لقومه: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)

قال الطبري - رحمه الله -: "(ثم توبوا إليه) ارجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه: (إن ربي رحيم) رحيم بمن تاب وأناب إليه أن يعذبه بعد التوبة (ودود) ذو محبة لمن أناب وتاب إليه يوده ويحبه"

 إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة عشرة في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان : فوائد وثمرات الاستغفار:

سادسا: أن به تجلب النعم وتدفع النقم: يقول الله - تعالى - على لسان نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه: (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)

يقول ابن كثير - رحمه الله -: "أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم أسقاكم من بركات السماء وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين أي أعطاكم الأموال والأولاد وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها". كل هذه النعم تستجلب بالاستغفار.

سابعا: دفع العقوبة عن صاحبه ومنع نزول المصائب: لما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه، وهو حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه بين العلماء: عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىَّ أَمَانَيْنِ لأمتي ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) إِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمْ الاِسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). فإن كان الحديث ضعيفا فالآية خير شاهد على ذلك.

فإذا كثرت الذنوب، وقل الاستغفار أو انعدم، فالعذاب سيحصل لا محالة؛ لقوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فالاستغفار سبب لمنع العذاب.

ثامنا: ومن فوائده أنه سبب في هلاك الشيطان: فقد قال ابن القيم - رحمه الله -: إن إبليس قال: "أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار، وب" لا إله إلا الله" فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاء"

وجاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وحسنه شعيب الأرنؤوط: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن إبليس قال لربه بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني)).

تاسعا: أن بسببه تحل المشاكل الصعبة والعويصة: فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما يقول تلميذه ابن القيم - رحمه الله -: "وشهدتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميه - رحمه الله - إذا أعيَته المسائل واستعصَت عليه فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستعانة بالله واللجوء إليه، واستنزال الصوابِ من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبثُ المددُ الإلهي أن يتتابَع عليه مدًّا، وتزدلِف الفتوحات الإلهية إليه، بأيّتهنّ يبدأ

فإذا أعيتك المسائل، وصعب عليك حلها، ففر إلى الاستغفار، وصدق الله القائل: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) تفرقون به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة..

عاشرا: أنه سبب لانشراح الصدر: لما جاء في الحديث الذي في مسلم عن الأغر المزني -وكانت له صحبة- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)).

وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب)).

   فبالاستغفار يصفو القلب وينقى، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح" وصححه الألباني: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ في قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّيْنُ الذي ذَكَرَ اللَّهُ - عز وجل - في الْقُرْآنِ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)

والاستغفار له تأثير عجيب في زوال الهموم والغموم، وتفريج الكروب، يقول ابن القيم - رحمه الله - مبينا ذلك: "فالمعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم... وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة عشرة في موضوع التوبة وهي إستكمالا لمامضى والتي هي بعنوان : فوائد وثمرات الاستغفار:

حادي عشر: أن المستغفر يتعبد لربه - عز وجل - ويقر له بصفة الغفار: فهو يستشعر معنى قوله - تعالى -: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) ، ويستشعر كذلك جميع الآيات التي أخبر الله أو سمى أو وصف نفسه بها بالمغفرة والغفور والغفار، وما أشبه ذلك..

ويستشعر كذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في البخاري قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن عبدا أصاب ذنبا، وربما قال أذنب ذنبا، فقال: رب أذنبت وربما قال: أصبت فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي؟... )) الحديث..

ثاني عشر: ومن أهم فوائد الاستغفار وثمراته- وقد أخرناها لأهميتها- أنه دواء الذنوب: جاء في شعب الإيمان للبيهقي: عن سلام بن مسكين قال: سمعت قتادة، يقول: "إنَّ هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذُّنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار".

والناس يخطئون ولكن بالتوبة والاستغفار يغفر الله الذنوب؛ جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (يَا عبادي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فاستغفروني أَغْفِرْ لَكُمْ)).

والله - عز وجل - يقول: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)

وأخرج أبو داود وصححه الألباني عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِىِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا -رضي اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: كُنْتُ رَجُلاً إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا نفعني اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ ينفعني، وَإِذَا حدثني أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لي صَدَّقْتُهُ، قَالَ: وحدثني أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))..

وأخرج أحمد في مسنده والترمذي وصححه الألباني: عَنْ أَبِى ذَرٍّ -رضي الله عنه- عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ - عز وجل - أَنَّهُ قَالَ: ((يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دعوتني ورجوتني فإني سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَوْ لقيتني بِقُرَابِ -أي بما يقارب ملأها- الأَرْضِ خَطَايَا لَلَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً وَلَو عَمِلْتَ مِنَ الْخَطَايَا حَتَّى تَبْلُغَ عَنَانَ السَّمَاءِ مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي لَغَفَرْتُ لَكَ ثُمَّ لاَ أُبَالِى)).

سبحان من يعفو ونهفو دائما ************ ولا يزل مهما هفا العبد عفا

يعطى الذي يخطئ ولا يمنعنه*********** جلاله عن العطى لذي الخطأ

- سبحانه - يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. فله الحمد والمنة..

# المعصية طارئة :

 قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ففي هذه الآية أربع دلالات على أن المعصية كانت طارئة :

الدلالة الأولى: في قوله تعالى: ﴿إِذَا فَعَلُواْ﴾ في غفلة عن ذكر الله بدليل قوله بعد: ﴿ذَكَرُواْ الله﴾.

الدلالة الثانية: بعد ذكر الله سارعوا بالاستغفار والتوبة بدليل «الفاء» في قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾.

الدلالة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي أقلعوا عنها ولم يداوموا عليها.

الدلالة الرابعة: أنهم علموا أنها معصية بدليل قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُون﴾،  فالعبد إذا علم قبح ذنبه فندم واستغفر، غفر الله له مهما كان ذنبه عظيما فعفو الله أعظم ورحمته أوسع، قال جل وعلا: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

وأخرج الترمذي  عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: يا ابنَ آدمَ! إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بقُرَابهَا مَغْفِرَةً»، ومعنى قوله: «لا أبالي»: أي لا يتعاظمني كثرتها لو كثرت.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة عشرة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 التواب اسم من اسماء الله الحسنى :

من أسمائه سبحانه : التّواب، وهو من صيغ المبالغة ،وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى، فتعني الكم والنوع، يعني يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً.

وقد ورد في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، ستة مواضع معرفاً بأل، كما في قوله تعالى:﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ،وقد ورد أيضاً في ستة مواضع، منوناً، كما في قوله تعالى:﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، وكان من دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام : {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

والتّواب له عدة معانٍ :

 الأول : أن التّواب هو الذي شرع التوبة لعبادة وجعلها محض تفضيل منه وكرم وجودٍ، ولم يكن بدلالة العقل أن الإنسان حينما يخطئ ثم يقلع عن ذنوبه، أن يسامح ويعفى من الذنب إلا أن هذا كان فضلاً من الله، الذي شرع لعباده التوبة من الذنوب.

 الثاني : الله التواب الذي يوفق عباده إلى التوبة، ويبعث في قلوبهم الرغبة فيها، فإن العبد لم يكن ليتوب لولا توفيق الله عز وجل لذلك هو سبحانه يوفق من يشاء من عباده، ويعينهم على التوجه إلى التوبة

الثالث : أن الله يثبت العباد على التوبة، فإن العبد ربما تاب اليوم ونكث غدًا، وهكذا حتى يصبح مضطربًا، لا يستقر على حال من القلق.

 الرابع : أنه يقبل التوبة عن عباده، كما قال سبحانه : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} إن الله يغفر الذنب مهما عظم، إذا تاب العبد منه وأناب، فالله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم.  

     قال ابن القيم : فهو الذي يسر أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من العبر والآيات , وبما يقذف في قلوبهم من محبة الإنابة إليه , وبما يريهم من غوائل المعاصي, وآثار السيئات , فتنكسر حينئذ قلوبهم , وتندم له أفئدتهم , وتذل جوارحهم , وتستغيث ألسنتهم بربها مناديةً له بما ناداه به نبيه وكليمه موسى - عليه السلام- : { سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمين} فيقبل التواب منهم توبتهم كلما عادوا إليه ولا يستكثر ذنباً أن يغفره ولا سوءاً، أن يمحوه ,ولا يستعظمه جرم أن يتجاوز عنه مهما بلغ الجرم مداه , وكل هذا يحصل لمن عصاه وفرط في جنبه .

     وقال ابن القيم أيضا :" إن توبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها ، فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة ، فإن تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما ، فتاب العبد تاب الله عليه ثانيا قبولا وإثابة ، قال تعالى : { وَعَلَى الثلاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِن اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم ، وأنها هي التي جعلتهم تائبين ، فكانت سببا ومقتضيا لتوبتهم ، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم ، فالعبد تواب والله تواب ، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق ، وتوبة الله نوعان : إذن وتوفيق ، وقبول وإمداد

وقال ابن القيم :أيضا :

  وكذلك التواب من أوصافه ********** والتوب في أوصافه نوعان

 أذن بتوبة عبـــده وقبولها ************ بعد المتاب بمنة المنان  .

فوالله إنه لكرم بالغ ومنة متناهية أن يبادر الربُّ عبده بالتوبة والغفران وهو من هو غنى وسؤددا , ولو اكتفى ربنا بهذا لكان شرفا بالغا لا يتطلع العبد المقصر إلى سواه ,فكيف إذا انضم إلى ذلك فرح شديد من الرب بتوبة عبده وإنابته إليه , بل إن هذا الفرح منه سبحانه لعبده المقصر الذي جاء مسرعا خائفا أشد فرحا من عبد أيس من الحياة , في أرض فلاة , فقد جميع المقومات, فاضطجع تحت الشجرة موقنا الممات ؛ فانتبه فإذا دابته فوق رأسه فيها طعامه وشرابه , فهل هناك عبارة تصف فرحته بحياته بعد أن رأى الموت؟! ففَرَحُ ربنا سبحانه بنا إذا عدنا إليه أشد من هذا بحياته .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة عشرة في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان : التواب اسم من اسماء الله الحسنى :

   يا سبحان الله أكل هذا ينتظر التائبين ؟! نعم بل وزيادة.. أن يبدل للتائب عدد ما فات من السيئات بنفس أعدادها حسنات ، قال تعالى : {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا }

 فلمَ البعد والتواني , ولمَ الصدود والرضا بالفاني , فهذا وقت التوبة وعما قليل سنرحل , ويعاين أحدنا في قبره منزله الذي أعد له ويأتيه من روحه وريحه إن كان من أهل السعادة وإن كان من أهل الشقاوة فتح له منزله من النار فرآه وآتاه من سمومه وهواه . فنعوذ بالله أن نكون ممن يقول حين يرى العذاب {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين }

فمن يحول بين العبد وبين التوبة إذن؟ فليس هناك ما يحول يين العبد وبين توبته إلا عدوه , وهو يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير , فاطمع في رجاء ربك وأسلم قلبك ووجهه إليه , وانظر إلى من لم يعمل خيرا قط , ونشأ في الضلال والعدوان على الدماء البريئة , ودأبت نفسه الاستهتار بالنفوس المعصومة سفكا وقتلا , يوما بعد يوم حتى أكمل المائة . فلم يتردد في التوبة بعد كل هذا ولم يصده ذلك أن يعود إلى مولاه التواب, فهل ردت توبته وأغلق في وجهه الباب ؟ كلا وربي . وانظر ماذا جرى من فم المصطفى ، أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا , فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ , فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ" ؟ فَقَالَ : "لَا " , فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً . ثُمَّ  سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ , فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ : "إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ , فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ" ؟ فَقَالَ : "نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ" . فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ , فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ :" جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ". وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ:" إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ " , فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ :" قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ" , فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ . فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) .

وروى الترمذي وحسنه الألباني من حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : ( قَالَ الله : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )

وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها : ( يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بلغني عَنْكِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً ، فَسَيُبَرِّئُكِ الله ، وَإِنْ كُنْتِ أَلمَمْتِ بِذَنْبٍ ، فاستغفري الله وتوبي إِلَيْهِ ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ ، تَابَ الله عَلَيْهِ )

و لا زلنا في زمن الإمهال وستغلق الأبواب بعد أيام محدودة وآجال عند المولى معلومة وأخبر عنها أنها قريبة , وقد مد الله التوبة للعبد إلى حضور أجله ما لم تغرغر نفسه , قال سبحانه : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }

    وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ قال : ( إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ) ،  أو تطلع الشمس من مغربها ، فعن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه مرفوعا : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا )

وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ الله عَلَيْهِ )

وليس بعد التوبة وعفو الله إلا العذاب وكل ذلك متعلق بمشيئته سبحانه راجع إلى علمه وحكمته لقوله تعالى : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَالله عَلِيمٌ حَكِيم ٌ}

قال المزني: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت له :" كيف أصبحت؟" فقال :أصبحت من الدنيا راحلاً , ولأخواني مفارقاً , ولكأس المنية شارباً ,ولسوء أعمالي ملاقياً وعلى الله وارداً , فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها , أم إلى النار فأعزيها , ثم أنشد:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ******* جعلت رجائي نحو عفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلــما قـرنته ************ بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ****** تجـــود وتعفو منة وتكرما

ولولاك لم يغــوى إبليس عابد********* فكيف وقد أغوى صفيك آدما

فإن تعف عني تعف عن متهتك ********* ظلوم غشـوم لا يزايل مأثما

وإن تنتقــم مني فلست بآيس ********** ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما

قال الذهبي إسناده ثابت عنه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة عشرة في موضوع التوبة وهيإستكمالا للماضية والتي هي بعنوان :  التواب اسم من اسماء الله الحسنى :

فمن أعظم آثار هذا الاسم الشريف أن يصبح الإنسان ويمسي معترفا بذنبه مشفقا منه خائفا من ربه تائبا إليه فلا يتناسى ذنبه مهما طال عهده به فالتناسي شأن من لم يعبأ بالذنب ولم يكترث منه ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) بل يجدد توبته كلما ذكر الذنب ولا يتهاون به وإن صغر فلعل في تعظيم حق الله وإجلاله ما يكفر به خطاياه.  ملحا على مولاه بالتوبة راجيا قبوله لها فلا يكون آخر عهده بالتوبة بُعيد معصيته

فلعل قبول التوبة لم يحن بعد , ولربما أخرت توبته ليعلم الله صدقه فيها ؛ فهؤلاء الثلاثة الذين لهم من الحسنات والصحبة والجهاد والنصرة وتمام الطواعية لله ورسوله. حين تخلفوا عن غزوة واحدة فقط , ثم اعترفوا بذنبهم وأنابوا إلى ربهم , وبلغ بهم من عظيم الندم ؛أن ضاق عليهم كل شيء حتى أنفسهم لم يبق فيها متسع لهم , في حال رهيبة من الحزن , مع صدق الالتجاء إلى الله أن يتجاوز عنهم ؛أتراهم تيب عليهم في يومهم أو في أسبوعهم أو في شهرهم ؟!إنها خمسين ليلة من التضرع والبكاء وأحدهم لم يزل باكيا منذ يومه ذاك ليس به حراك إلى شيء , وهم في وجل أن ترد توبتهم ؛ ليعلم العبد بعد ذلك كله أن توبة الله لا تكون إلا للصادقين وحدهم (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ  }

قال الحسن رضي الله عنه :" يا سبحان الله ! والله ما أكلوا مالا حراما ولا أصابوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير والجهاد في سبيل الله وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن"

فليست التوبة كلمات تقال ولا مشاعر عابرة بل هي حال تخالط القلب فتجعله في كل أحواله منيبا أوابا أواها عندئذ ينال ما وعده الله للمنيبين (وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35))

ومن أراد صدق توبته فليبعد كل البعد عن ما يعيده إلى معصيته , وليحرس توبته من أن تطولها يد تفسدها عليه .جاعلا من معصيته حافزا للمسارعة في الخيرات وعمل الصالحات والإكثار من الحسنات

فإنهن مذهبات للسيئات ؛فالله سبحانه ذكر أخذ الزكاة من أموالهم في ثنايا الحديث عن التائبين ونبه في معرض كلامه عن قبوله للتوبة أنه يأخذ الصدقات ؛ وفي هذا إشارة

أن مما يعين على قبولها أن يبذل معها العبد شيئا من حر ماله برهانا على الصدق فيها (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104))

, وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ... ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ))

وتوبة الصادقين ليست عن ذنوب جنتها أيديهم فقط بل هم يتعاهدونها كلما عرضت لقلوبهم غفلة طلبا لنقائها وحرصا على صفائها ومن ذلك قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي , وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة ),وتراهم يتوبون من طاعاتهم يا سبحان الله! أطاعة يتاب منها كيف يحصل ذلك؟ نعم..لأن طاعتهم لا تليق في نظرهم لمقام ربهم فهم أحقر في نفوسهم من أن يبلغوا كمال مراده فهاهم بعد ليل قضوه سجدا وقياما يستغفرون كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون ) " فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم و اعتذارهم . صحائف التائبين خدودهم , و مدادهم دموعهم قال بعضهم : إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم"

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة عشرة في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 ما يتاب منه :

    قال ابن القيم في المدارج [فَصْلٌ فِي أَجْنَاسِ مَا يُتَابُ مِنْهُ] وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ اسْمَ التَّائِبِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهَا وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ جِنْسًا مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، هِيَ أَجْنَاسُ الْمُحَرَّمَاتِ:

الْكُفْرُ، وَالشِّرْكُ، وَالنِّفَاقُ، وَالْفُسُوقُ، وَالْعِصْيَانُ، وَالْإِثْمُ، وَالْعُدْوَانُ، وَالْفَحْشَاءُ، وَالْمُنْكَرُ، وَالْبَغْيُ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَاتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَهَذِهِ الِاثْنَا عَشَرَ جِنْسًا عَلَيْهَا مَدَارُ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِلَيْهَا انْتِهَاءُ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِمْ إِلَّا أَتْبَاعَ الرُّسُلِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ،اهـ                 

وسئل ابن تيمية :  فيما يُستغفر ويتاب منه ؟

فأجاب :  ومما يستغفر ويتاب منه ما في النفس من الأمور التي لو قالها، أو فعلها عذب، قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏‏

فهو يغفر لمن يرجع عما في نفسه فلم يتكلم به ولم يعمل كالذي همّ بالسيئة ولم يعملها، وإن تركها لله كتبت له حسنة، وهذا مما يستغفر منه ويتوب، فإن الاستغفار والتوبة من كل ما كان سببا للذم والعقاب، وإن كان لم يحصل العقاب ولا الذم، فإنه يفضي إليه فيتوب من ذلك، أي يرجع عنه، حتى لا يفضي إلى شر فيستغفر الله منه، أي يطلب منه أن يغفر له فلا يشقيه به، فإنه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به، فالذي يهم بالسيئات، وإن كان لا يكتب عليه سيئة، لكن اشتغل بها عما كان ينفعه فينقص بها عمن لم يفعلها واشتغل بما ينفعه عنها، وقد بسطنا في غير هذا الموضع؛ أن فعل الإنسان وقوله، إما له وإما عليه، لا يخلو من هذا أو هذا، فهو يستغفر الله ويتوب مما عليه، وقد يظن ظنون سوء باطلة، وإن لم يتكلم بها فإذا تبين له فيها، استغفر الله وتاب، وظلمه لنفسه يكون بترك واجب، كما يكون بفعل محرم، فقوله تعالى ‏{‏‏وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ‏}‏‏ ‏‏ من عطف العام على الخاص وكذلك قوله ‏{‏‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏‏ ‏‏

وقد قيل في قوله تعالى ‏{‏‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ‏}‏‏

‏ قيل الفاحشة‏:‏ الزنا وقيل كل كبيرة وظلم النفس المذكور معها، قيل هو‏:‏ فاحشة أيضاً وقيل هي الصغائر‏.

‏‏ وهذا يوافق قول من قال‏:‏ الفاحشة هي الكبيرة، فيكون الكلام قد تناول الكبيرة والصغيرة، ومن قال‏:‏ الفاحشة الزنا، يقول ظلم النفس يدخل فيه سائر المحرمات، وقيل الفاحشة‏:‏ الزنا وظلم النفس ما دونه، من اللمس والقبلة والمعانقة، وقيل‏:‏ هذا هو الفاحشة، وظلم النفس‏:‏ المعاصي وقيل الفاحشة‏:‏ فعل وظلم النفس قول والتحقيق أن ظلم النفس جنس عام، يتناول كل ذنب‏.‏

وفى الصحيحين أن أبا بكر قال " يا رسول الله علمني دعاءاً أدعو به في صلاتي فقال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم‏"‏‏‏.‏

والتحقيق أن ‏[‏ظلم النفس‏]‏ جنس عام يتناول كل ذنب،

وفي صحيح مسلم، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه "اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت‏"‏‏‏.‏

وقد قال أبو البشر وزوجته‏:‏ ‏{‏‏قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}، وقال موسى ‏:‏‏{‏‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ‏}‏‏ ‏‏، وقال ذو النون يونس ‏:‏‏{لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏‏ ، وقالت بلقيس‏:‏ ‏{‏‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏‏

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عن أهل القرى المعذبين ‏:‏‏{‏‏وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}‏‏‏، وأما قوله‏:‏ ‏{‏‏ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا‏}‏‏، فقد قيل‏:‏ إن الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر‏.

‏‏ و‏[‏التحقيق‏]‏ أن ‏[‏الذنوب‏]‏ اسم جنس، و‏[‏الإسراف‏]‏ تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان فالذنوب كالإثم، والإسراف كالعدوان، كما في قوله‏:‏ ‏{‏‏غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ‏}‏‏ ‏، ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل إتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، و‏‏الإسراف‏‏ كالذي يغضب لله، فيعاقب بأكثر مما أمر الله‏.‏

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة عشرة في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان :  ما يتاب منه :

 وقد أخبر عمن قبلهم بقوله‏:‏ ‏{‏‏وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ‏}‏‏ ‏‏، وقد قيل على الصحيح، المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يقتل في معركة فقد قتل أنبياء كثيرون، ‏{‏‏فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلَّا أن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا‏}‏‏ الآية‏.

‏‏ فجمعوا بين الصبر والاستغفار وهذا هو المأمور به في المصائب الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها‏.

‏‏ والقتال كثيرا ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله كالذي يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء‏.‏

فهذا كله ذنوب والذي يقاتل لله قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً‏}‏‏ ‏‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً‏}‏‏ ‏وقال‏:‏ ‏{‏‏وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏‏. فالإسراف مجاوزة الحد‏.

وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله أيضاً ‏:‏

الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه؛ إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل ‏;‏ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علماً بالله، وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ‏;‏ بل هو مضطر إليه دائماً في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية‏.

‏‏ وقد ثبتت‏:‏ دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد، والاستغفار للخلق كلهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكل عامل مقام معلوم‏.

‏‏ فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين؛ تذهب الشرك كله، دقه وجله، خطأه وعمده، أوله وآخره، سره وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه‏.‏

والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك، فإن الذنوب كلها من شعب الشرك، فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول‏:‏ لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول‏:‏ أستغفر الله‏. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين‏.‏

‏‏ وقال‏:‏ التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره بإتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع؛ فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه ، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص‏.‏

وكذلك إذا وجد العبد تقصيراً في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم والاستغفار‏.‏

قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم‏ "إن لي لساناً ذرباً على أهلي‏.‏ فقال له ‏:‏‏‏أين أنت من الاستغفار ‏؟‏ إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة‏".

  وقال القرطبي : الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها .

قال العلماء : الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو ، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين . فإن كان حقا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها . وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في الزكاة .

وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبا به . وإن كان قذفا يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به . فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص . وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له ، قال الله تعالى : {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان }. وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه . وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم ; حسب ما تقدم بيانه . وكذلك الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم . وإن رفعوا إليه فقالوا : تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا . هذا مذهب الشافعي . فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه - عينا كان أو غيره - إن كان قادرا عليه ، فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه .

وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتي ، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه ، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له ، فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب عنه . وإن أرسل من يسأل ذلك له ، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه بعينه أو لم يعرفه - فذلك صحيح . وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق ، أو غمه أو لطمه ، أو صفعه بغير حق ، أو ضربه بسوط فآلمه ، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان منه ، عازما على ألا يعود ، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه ، سقط عنه ذلك الذنب . وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة العشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

 التوبة خير وعدمها تولي وعذاب

  قال تعالى : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم(3) }  

  قال الطبري : يقول تعالى ذكره: (فإن تبتم)، من كفركم، أيها المشركون, ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له  دون الآلهة والأنداد فالرجوع إلى ذلك (خير لكم)، من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة (وإن توليتم)، يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم (فاعلموا أنكم غير معجزي الله)، يقول: فـأيـقـنـوا أنكم لا تُـفِـيـتـون الله بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد، على إقامتكم على الكفر, كما فعل بمن قبلكم من أهل الشرك من إنـزال نقمه به،  وإحلاله العذاب عاجلا بساحته (وبشر الذين كفروا)، يقول: واعلم، يا محمد، الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم (بعذاب)، موجع يحلُّ بهم. 

وقال القرطبي : فإن تبتم أي عن الشرك فهو خير لكم أي أنفع لكم وإن توليتم أي عن الإيمان فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي فائتيه ; فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم

بعد التهديد يعود سياق السورة للتوبة وتعطي كل صنف من أصناف البشرية التوبة الخاصة به قبل الوداع الأخير وهذا أجمل ختام للثلث الأول من القرآن بعد السور السبع الطوال بفتح باب التوبة:

  1. توبة المنافقين والمرتدّين: (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)
  2. توبة المترددين: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
  3. تذكرة للجميع بالتوبة: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
  4. توبة على النبي والمهاجرين والأنصار: (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
  5. توبة أخيرة: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) للثلاثة الذين خلّفوا وتقاعسوا عن غزوة تبوك.

#وقال تعالى { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يكن خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير(74) }

في التفسير الميسر : يحلف المنافقون بالله أنهم ما قالوا شيئًا يسيء إلى الرسول وإلى المسلمين، لكنهم كاذبون؛ فلقد قالوا كلمة الكفر وارتدوا بها عن الإسلام وحاولوا الإضرار برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم الله من ذلك، وما وجد المنافقون شيئًا يعيبونه، وينتقدونه، إلا أن الله -تعالى- تفضل عليهم، فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة، فإن يرجع هؤلاء الكفار إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم منقذ ينقذهم ولا ناصر يدفع عنهم سوء العذاب.

       وقال ابن كثير : قال قتاده نزلت في عبد الله بن ابي وذلك انه اقتتل رجلان جهني وانصاري فعلا الجهني على الانصاري فقال عبد الله للانصار الا تنصروا اخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد الا كما قال القائل " سمن كلبك ياكلك " وقال {لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل } فسعى بها رجل من المسلمين الى النبي صلى الله عليه وسلم فارسل اليه فساله فجعل يحلف بالله ما قاله فانزل الله فيه هذه الاية

   وقال ابن عاشور :

وجيء بفعل يك في جواب الشرط دون ان يقال فان يتوبوا فهو خير لهم لتاكيد وقوع الخير عند التوبه والايماء الى انه لا يحصل الخير الا عند التوبه لان فعل التكوين موذن بذلك وحذف نون يكن للتخفيف لانها لسكونها تهيات للحذف وحسنه وقوع حركه بعدها والحركه ثقيله فلذلك شاع حذف هذه النون في كلامهم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#التوبة تنجي صاحبها من القتل والأخذ000 بل تخلي سبيله

قال تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم }

قال السعدي : يقول تعالى " فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ " أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين, وهي أشهر التيسير الأربعة, وتمام المدة, لمن له مدة أكثر منها, فقد برئت منهم الذمة." فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " في أي مكان وزمان." وَخُذُوهُمْ " أسرى " وَاحْصُرُوهُمْ " أي: ضيقوا عليهم, فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه, التي جعلها معبدا لعباده. فهؤلاء, ليسوا أهلا لسكناها, ولا يستحقون منها شبرا, لأن الأرض أرض اللّه, وهم أعداؤه, المنابذون له ولرسله, المحاربون, الذين يريدون أن تخلو الأرض من دينه, ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره, ولو كره الكافرون." وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ " أي: كل ثنية وموضع, يمرون عليه, ورابطوا في جهادهم, وابذلوا غاية مجهودكم  في ذلك, ولا تزالوا على هذا الأمر, حتى يتوبوا من شركهم. ولهذا قال: " فَإِنْ تَابُوا " من شركهم " وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ " أي: أدوها بحقوقها " وَآتُوا الزَّكَاةَ " لمستحقيها " فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ " أي: اتركوهم, وليكونوا مثلكم, لهم ما لكم, وعليهم ما عليكم." إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " يغفر الشرك فما دونه, للتائبين, ويرحمهم, بتوفيقهم للتوبة, ثم قبولها منهم. وفي هذه الآية, دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة, فإنه يقاتل حتى يؤديها, كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه

#الأخوة في الدين تتضمن التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

قال تعالى :{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون}

   قال السمرقندي: قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} من الشرك. {وَأَقَامُواْ الصلاة وآتوا الزكاة }؛ يعني: أقروا بهماوفعلوهما؛ {فَإِخوَانُكُمْ في الدين}، يعني: هم مؤمنون مثلكم.{وَنُفَصّلُ الآيات}، يعني: نبيَّن العلامات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أنه من الله تعالى. اهـ.

وقال القرطبي: قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} أي عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام. {فَإِخْوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِي الدين}. قال ابن عباس: حرّمت هذه دماءَ أهل القبلة.

وقال أبو حيان:

{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} أي فإنْ تابوا عن الكفر ونقض العهد والتزموا أحكام الإسلام فإخوانكم، أي: فهم إخوانكم، والإخوان، والإخوة جمع أخ من نسب أو دين.

وقال الألوسي:

{فَإِن تَابُواْ} عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد وغيره، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة عنها ومظنة للتوبة {وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة} على الوجه المأمور به {فإخوانكم} أي فهم اخوانكم {فِى الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#التوبة من الربا تضمن لصاحبها رأس ماله ويسلم من حرب الله له

قال تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }

قال أبو جعفر: " إن تبتم " فتركتم أكلَ الربا وأنبتم إلى الله عز وجل " فلكم رؤوس أموالكم " من الديون التي لكم على الناس، دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربًا منكم

وقال ابن كثير : قال تعالى {وان تبتم فلكم رءوس اموالكم لا تظلمون }اي باخذ الزياده ولا تظلمون اي بوضع رووس الاموال ايضا بل لكم ما بذلتم من غير زياده عليه ولا نقص منه

وقال ابن عاشور : {فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله }يعني ان تمسكتم بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا فاعلموا ان الحرب عادت جذعه فهذا كقوله {واما تخافن من قوم خيانه فانبذ اليهم على سواء }وتنكير حرب لقصد تعظيم امرها ولاجل هذا المقصد عدل عن اضافه الحرب الى الله وجيء عوضا عنها بمن ونسبت الى الله لانها باذنه على سبيل مجاز الاسناد والى رسوله لانه المبلغ والمباشر وهذا هو الظاهر فاذا صح ما ذكر في سبب نزولها فهو من تجويز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم في الاحكام اذ قبل من ثقيف النزول على اقتضاء ما لهم من الربا عند اهل مكه وذلك قبل ان ينزل قوله تعالى {وذروا ما بقى من الربوا} فيحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم راى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الاسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من اموال الربا الثابته في ذممهم قبل التحريم مصلحه

#التائب من فتنة المؤمنين والمؤمنات يعافيه الله من العذاب

قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }

  قال ابن عاشور : {والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } : هم مشركو قريش وليس المراد أصحاب الأخدود لأنه لا يلاقي قوله : { ثم لم يتوبوا } إذ هو تعريض بالترغيب في التوبة ، ولا يلاقي دخول الفاء في خبر { إنَّ } من قوله : { فلهم عذاب جهنم }

وقد عُدّ من الذين فتنوا المؤمنين أبو جهل رأسُ الفتنة ومِسْعَرها ، وأميةُ بن خلف وصفوانُ بن أمية ، والأسودُ بن عبد يغوث ، والوليدُ بن المغيرة ، وأمُّ أنْمار ، ورجل من بني تَيْم .

والمفتونون : عد منهم بلالُ بن رباح كان عبداً لأمية بن خلف فكان يعذبه ، وأبو فُكيهة كان عبداً لصفوان بن أمية ، وخَبَّابُ بن الأرتِّ كان عبداً لأمّ أنمار ، وعَمّار بن ياسر ، وأبوه ياسِر ، وأخوه عبد الله كانوا عبيداً لأبي حذيفة بن المغيرة فوكَل بهم أبا جهل ، وعامرُ بن فُهيرة كان عبداً لرجل من بني تَيْم .

والمؤمنات المفتونات منهنّ : حَمَامَةُ أمُّ بلال أمَةُ أمية بن خلف . وزِنِّيرَة ، وأمُّ عنَيْس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث والنهدية . وابنتها كانتا للوليد بن المغيرة ، ولطيفةُ ، ولبينةُ بنت فهيرة كانت لعُمر بن الخطاب قبل أن يسلم كان عمر يَضربها ، وسُمية أمُّ عمار بن ياسر كانت لعمّ أبي جهل .

وفُتِن ورجَع إلى الشرك الحارثُ بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعليُّ بن أمية بن خلف ، والعاصي بن المنبه بن الحجاج .

وعَطفُ { المؤمنات } للتنويه بشأنهن لئلا يظنّ أن هذه المزية خاصة بالرجال ، ولزيادة تفظيع فعل الفاتنين بأنهم اعتدَوا على النساء والشأن أن لا يتعرض لهن بالغلظة .

وجملة : { ثم لم يتوبوا } معترضة . و { ثُمّ } فيها للتراخي الرتبي لأن الاستمرار على الكفر أعظم من فتنة المؤمنين .

وفيه تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلِمُوا من عذاب جهنم .

والفَتْن : المعاملة بالشدة والإِيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلصاً إلا بعناء أو ضرّ أخف أو حيلة  

   وقال البقاعي:

ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان، عبر بأداة التراخي فقال: {ثم لم يتوبوا} أي عن ذنوبهم وكفرهم.

ولما كان سبحانه لا يعذب أحدا إلا بسبب، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله: {فلهم} أي خاصة لأجل كفرهم {عذاب جهنم} أي الطبقة التي تلقى داخلها بغاية الكراهة والتجهم، هذا في الآخرة {ولهم} أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله {عذاب الحريق} أي العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء، وقد صدق سبحانه قوله هذا فيمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم بإهلاكهم شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن كان قبلهم، فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير، فدل على أنه يبدئ ويعيد.

وقال القرطبي: قوله تعالى: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} أي حَرَّقوهم بالنار. والعرب تقول: فَتن فلانٌ الدرهمَ والدينارَ، إذا أدخله الكور، لينظر جودته. ودينار مفتون. ويسمى الصائغ الفتان، وكذلك الشيطان، وورِق فتين، أي فضة محترقة. ويقال للحَرّة فتين، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها.

{ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام. {فَلَهُمْ عذاب جَهَنَّمَ} لكفرهم. {وَلَهُمْ عذاب الحريق} في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#المنافقون يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون

قال تعالى : { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون}

 قال طنطاوي في الوسيط : قوله {اولا يرون انهم يفتنون في كل عام مره او مرتين } توبيخ لهم على قسوة قلوبهم وانطماس بصيرتهم وغفلتهم عما يدعو الى الاعتبار والاتعاظ اى ابلغ الجهل والسفه وعمى البصيره بهولاء انهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات تنزل بهم فى كل عام مرة او مرتين ومن هذه الفتن والامتحانات كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يضمرونه من سوء وما يقولونه من منكر وما يفعلونه من افعال خبيثه وحلول المصائب والامراض بهم ومشاهدتهم لانتصار المومنين وخذلان الكافرين

    وقال الالوسى :والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعهضم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور وقوله ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون بيان لرسوخهم فى الجهل والجحود اى ثم بعد كل هذه الفتن النازله بهم لا يتوبون من نفاقهم ولا هم يذكرون ويتعظون بل يصرون على مسالكهم الخبيثه واعمالهم القبيحه مع ان من شان الفتن والمصائب والمحن انها تحمل على الاعتبار والاتعاظ والرجوع عن طريق الشر الى طريق الخير

     وقال البغوى : قوله اولا يرون قرا حمزه ويعقوب " ترون " بالتاء على خطاب النبي المومنين وقرا الاخرون بالياء خبر عن المنافقين المذكورين انهم يفتنون يبتلون في كل عام مره او مرتين بالامراض والشدائد وقال مجاهد بالقحط والشده وقال قتاده بالغزو والجهاد وقال مقاتل بن حيان يفضحون باظهار نفاقهم وقال عكرمه ينافقون ثم يومنون ثم ينافقون وقال يمان ينقضون عهدهم في السنه مره او مرتين ثم لا يتوبون من نقض العهد ولا يرجعون الى الله من النفاق ولا هم يذكرون اي لا يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين

     وقال ابن كثير : يقول تعالى اولا يرى هولاء المنافقون انهم يفتنون اي يختبرون في كل عام مره او مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون اي لا يتوبون من ذنوبهم السالفه ولا هم يذكرون فيما يستقبل من احوالهم قال مجاهد يختبرون بالسنة والجوع وقال قتادة بالغزو في السنة مرة او مرتين وقال شريك عن جابر هو الجعفي عن ابي الضحى عن حذيفه اولا يرون انهم يفتنون في كل عام مره او مرتين قال كنا نسمع في كل عام كذبة او كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير رواه ابن جرير وفي الحديث عن انس " لا يزداد الامر الا شده ولا يزداد الناس الا شحا وما من عام الا والذي بعده شر منه " سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم

وقال الطبرى : قال ابو جعفر اختلفت القراء في قراءه قوله اولا يرون فقراته عامه قراه الامصار او لا يرون بالياء بمعنى او لا يرى هولاء الذين في قلوبهم مرض النفاق وقرا ذلك حمزه او لا ترون بالتاء بمعنى او لا ترون انتم ايها المومنون انهم يفتنون قال ابو جعفر والصواب عندنا من القراءه في ذلك الياء على وجه التوبيخ من الله لهم لاجماع الحجه من قراه الامصار عليه وصحه معناه، فتاويل الكلام اذا : او لا يرى هولاء المنافقون ان الله يختبرهم في كل عام مره او مرتين بمعنى انه يختبرهم في بعض الاعوام مره وفي بعضها مرتين ثم لا يتوبون يقول ثم هم مع البلاء الذي يحل بهم من الله والاختبار الذي يعرض لهم لا ينيبون من نفاقهم ولا يتوبون من كفرهم ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من اياته فيتعظوا بها ولكنهم مصرون على نفاقهم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#من قال كلمة الكفر وكفربالله ثم تاب كان خيرا له

    قال تعالى : { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ}

    قال طنطاوي في الوسيط :  اى فان يتب هولاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح اقوالهم وافعالهم يكن المتاب خيرا لهم فى دنياهم واخرتهم " وان يتولوا " ويعرضوا عن الحق ويستمروا فى ضلالهم يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا والاخره اما عذاب الدنيا فمن مظاهره حذرهم وخوفهم من ان يطلع المومنين على اسرارهم وجبنهم عن مجابهه الحقائق وشعورهم بالضعف امام قوة المسلمين واحساسهم بالعزله والمقاطعه من جانب المومنين ومعاقبه الرسول صلى الله عليه وسلم اياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم واما عذاب الاخره فهو اشد وابقى بسبب اصرارهم على النفاق واعراضهم عن دعوة الحق وقوله وما لهم في الارض من ولي ولا نصير تذييل قصد به تيئيسهم من كل معين او ناصر اى ان هولاء المنافقين ليس لهم احد فى الارض يدفع عنهم عذاب الله او يحميهم من عقابه لان عقاب الله لن يدفعه دافع الا هو فعليهم ان يثوبوا الى رشدهم وان يتوبوا الى ربهم قبل ان يحل بهم عذابه

وقال البغوى :  قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجره فقال " انه سياتيكم انسان فينظر اليكم بعيني شيطان فاذا جاء فلا تكلموه " فلم يلبثوا ان طلع رجل ازرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " علام تشتمني انت واصحابك " فانطلق الرجل فجاء باصحابه فحلفوا بالله ما قالوا فانزل الله عز وجل هذه الايه وقال الكلبي نزلت في الجلاس بن سويد وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك

فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم فقال جلاس لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال اجل إن محمدا لصادق وانتم شر من الحمير فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينه اتاه عامر بن قيس فاخبره بما قال الجلاس فقال الجلاس كذب علي يا رسول الله وامرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا اله الا هو ما قاله ولقد كذب علي عامر ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا اله الا هو لقد قاله وما كذبت عليه ثم رفع يديه الى السماء وقال اللهم انزل على نبيك تصديق الصادق منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمومنون آمين فنزل جبريل عليه السلام قبل ان يتفرقا بهذه الايه حتى بلغ {فان يتوبوا يك خيرا لهم } فقام الجلاس فقال :     يا رسول الله اسمع الله عز وجل قد عَرَضَ علي التوبه صدق عامر بن قيس فيما قاله لقد قلته وانا استغفر الله واتوب اليه فقبل رسول الله ذلك منه وحسنت توبته

وقال ابن كثير :  اي وان يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا اي بالقتل والهم والغم ، والاخرة اي بالعذاب والنكال والهوان والصغار وما لهم في الارض من ولي ولا نصير اي وليس لهم احد يسعدهم ولا ينجدهم ولا يحصل لهم خيرا ولا يدفع عنهم شرا

وقال القرطبى :  قوله تعالى {فان يتوبوا يك خيرا لهم }روي ان الجلاس قام حين نزلت الايه فاستغفر وتاب فدل هذا على توبه الكافر الذي يُسِرُ الكفر ويظهر الايمان ; وهو الذي يسميه الفقهاء (الزنديق) وقد اختلف في ذلك العلماء ; فقال الشافعي تقبل توبته وقال مالك توبه الزنديق لا تعرف ; لانه كان يظهر الايمان ويسر الكفر ولا يعلم ايمانه الا بقوله وكذلك يفعل الان في كل حين يقول انا مومن وهو يضمر خلاف ما يظهر ; فاذا عثر عليه وقال تبت لم يتغير حاله عما كان عليه فاذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل ان يعثر عليه قبلت توبته ; وهو المراد بالايه  السادسه قوله تعالى {وان يتولوا } اي يعرضوا عن الايمان والتوبه يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا بالقتل وفي الاخره بالنار وما لهم في الارض من ولي اي مانع يمنعهم ولا نصير اي معين

وقال الطبرى : يقول تعالى ذكره فان يتب هولاء القائلون كلمه الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيرا لهم من النفاق  وان يتولوا يقول وان يُدبروا عن التوبه فياتوها ويصروا على كفرهم  يعذبهم الله عذابا اليما يقول يعذبهم عذابا موجعا في الدنيا اما بالقتل واما بعاجل خزي لهم فيها ويعذبهم في الاخره بالنار

وقال ابن عاشور : التفريع على قوله : { جاهد الكفار والمنافقين }  على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس فلمّا أمر بجهادهم والغِلظة عليهم وتوعّدهم بالمصير إلى النار ، فرّع على ذلك الإخبارَ بأنّ التوبة مفتوحة لهم وأنَّ تدارك أمرهم في مكنتهم ، لأنّ المقصود من الأمر بجهادهم قطع شافة مضرّتهم أو أن يصلح حالهم .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#  أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم

قال تعالى : { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  }

قال ابن كثير :يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى ممن قال منهم بأن المسيح هو اللّه، - تعالى اللّه عن قولهم وتنزه وتقدس علواً كبيراً - هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد اللّه ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال { إني عبد اللّه} ، ولم يقل إني أنا اللّه ولا ابن اللّه، بل قال: { إني عبد الّله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} ، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة اللّه ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: { وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا اللّه ربي وربكم إنه من يشرك باللّه} أي فيعبد معه غيره { فقد حرم اللّه عليه الجنة ومأواه النار} أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة ، كما قال تعالى:  { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث منادياً ينادي في الناس: (إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) وفي لفظ (مؤمنة) ولهذا قال تعالى: { وما للظالمين من أنصار} أي وماله عند اللّه ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. وقوله: { لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة} الصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الأبن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الإبن، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تُكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة.  وقال السدي وغيره : نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع اللّه، فجعلوا اللّه ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، وهي كقوله تعالى:  { وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه قال سبحانك} الآية، وهذا القول هو الأظهر، واللّه أعلم. قال اللّه تعالى: { وما من إله إلا إله واحد} أي ليس متعدداً بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودت، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: { وإن لم ينتهوا عما يقولون} أي من هذا الإفتراء والكذب   { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال: { أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه واللّه غفور رحيم} وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الإفتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، وقوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} ، وقوله: { وأمه صديقة} أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} ، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن اللّه لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال اللّه تعالى: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} ، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه الإجماع على ذلك، وقوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام} أي يحتاجان إلى التغذية به وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: { انظر كيف نبين لهم الآيات} أي نوضحها ونظهرها، { ثم انظر أنّى يؤفكون} أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟.

وقال الطبري : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا يَرْجِع هَذَانِ الْفَرِيقَانِ الْكَافِرَانِ , الْقَائِل أَحَدهمَا : إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم ; وَالْآخَر الْقَائِل : إِنَّ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة , عَمَّا قَالَا مِنْ ذَلِكَ , وَيَتُوبَانِ بِمَا قَالَا وَقَطَعَا بِهِ مِنْ كُفْرهمَا , وَيَسْأَلَانِ رَبّهمَا الْمَغْفِرَة مِمَّا قَالَا .' وَاَللَّه غَفُور لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ مِنْ خَلْقه , الْمُنِيبِينَ إِلَى طَاعَته بَعْد مَعْصِيَتهمْ , رَحِيم بِهِمْ فِي قَبُوله تَوْبَتهمْ وَمُرَاجَعَتهمْ إِلَى مَا يُحِبّ مِمَّا يَكْرَه , فَيَصْفَح بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْ إِجْرَامهمْ قَبْل ذَلِكَ .وَاَللَّه غَفُور لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ مِنْ خَلْقه , الْمُنِيبِينَ إِلَى طَاعَته بَعْد مَعْصِيَتهمْ , رَحِيم بِهِمْ فِي قَبُوله تَوْبَتهمْ وَمُرَاجَعَتهمْ إِلَى مَا يُحِبّ مِمَّا يَكْرَه , فَيَصْفَح بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْ إِجْرَامهمْ قَبْل ذَلِكَ .'

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان

#التوبة على الله لمن عملوا السيئات بجهالة ثم تابوا من قريب

قال تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماحكيما}

قال ابن تيمية : إذا أذنب العبد وهو يعلم أنه يعصي الله ويخالف أمره ويُعرض نفسه للعقوبة ، ثم تاب توبة صادقة تاب الله عليه وغفر له مهما كان ذنبه عظيما ، وإذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ الذَّنْبِ غَفَرَهُ اللَّهُ لَهُ ، شِرْكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ شِرْكٍ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) "

وقال ابن القيم رحمه الله :" إذا تاب العبد توبة نصوحاً صادقة خالصة أحرقت ما كان قبلها من السيئات وأعادت عليه ثواب حسناته "

والمقصود بالجهالة في الآية : الإقدام على معصية الله ، وليس المقصود أنه لا يعلم من الأصل أن ما يفعله ذنب ومعصية ، فهذا إن تاب من قريب تاب الله عليه ، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ، وهذا من فضل الله وواسع رحمته بعباده .

قال ابن تيمية أيضا :

" قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي : كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ، وكذلك قال سائر المفسرين .

قال مجاهد : كل عاص فهو جاهل حين معصيته ، وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم : إنما سموا جهالا لمعاصيهم ، لا أنهم غير مميزين .

وقال الزجاج : ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء ؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا ؛ وإنما يحتمل أمرين : ( أحدهما ) : أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه . والثاني : أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة ، وآثروا العاجل على الآجل ؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة .والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم "

وقالت اللجنة الدائمة للافتاء :  لا يمنع التوبة إقدام الإنسان على المعصية وهو يعلم أنها معصية ، ويشترط للتوبة ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية ، والندم على ما مضى ، والعزم على عدم العودة إلى المعصية ، وإن كان هناك حق لآدمي وجب رده إليه أو استباحته منه ، وكل من عصى الله فهو جاهل "

 وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ )

  معنى الآية : أن من صفات عباد الله المتقين أنهم إذا صدر منهم أعمال سيئة كبيرة ، أو ما دون ذلك ، بادروا إلى التوبة والاستغفار ، وذكروا ربهم ، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين ، فسألوه المغفرة لذنوبهم ، والستر لعيوبهم ، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها ، فلهذا قال : ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) .

وقال ابن تيمية  :

:" إِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَارَتْ كَبِيرَةً وَإِذَا تَابَ مِنْهَا غُفِرَتْ ... وَإِذَا تَابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الذَّنْبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ أَيْضًا . وَإِذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ أَيْضًا " .

# وقال تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما }

ورد في التفسير الميسر : وليس قَبول التوبة للذين يُصِرُّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، فيقول أحدهم: إني تبت الآن، كما لا تُقبل توبة الذين يموتون وهم جاحدون، منكرون لوحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. أولئك المصرُّون على المعاصي إلى أن ماتوا، والجاحدون الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابًا موجعًا.

وقال البغوى : وليست التوبه للذين يعملون السيئات يعني المعاصي حتى اذا حضر احدهم الموت ووقع في النزع قال اني تبت الان وهي حاله السوق حين تساق روحه لا يقبل من كافر ايمان ولا من عاص توبه قال الله تعالى " فلم يك ينفعهم ايمانهم لما راوا باسنا "  ولذلك لم ينفع ايمان فرعون حين ادركه الغرق ولا الذين يموتون وهم كفار اولئك اعتدنا اي هيانا واعددنا لهم عذابا اليما

   وقال ابن كثير : ولهذا قال تعالى { وليست التوبه للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الان} وهذا كما قال تعالى {فلما راوا باسنا قالوا امنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ايمانهم لما راوا باسنا }  وكما حكم تعالى بعدم توبه اهل الارض اذا عاينوا الشمس طالعه من مغربها كما قال تعالى {يوم ياتي بعض ايات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا} وقوله {ولا الذين يموتون وهم كفار } الايه يعني ان الكافر اذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته ولا يقبل منه فدية ولو بملء الارض ذهبا قال ابن عباس وابو العاليه والربيع بن انس ولا الذين يموتون وهم كفار قالوا نزلت في اهل الشرك

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان 

 مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

قال تعالى : {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

     إن رحمة الله جل وعلا قد وسعت كل شيء.. وإن معالمها ومظاهرها في كل شيء.. فبرحمته خلق وأوجد.. وبها أحيا وأعطى.. وبها رزق وأشفى.. وبها يتوب على عباده ويغفر.. فكيف يعرض مسلم عن التوبة إلى الله والرجوع إليه وهو يدرك أن رحمة الله سبقت غضبه.. وأنه ما دخل الجنة من دخل.. ومما نجا من النار من نجا إلا برحمته وغفرانه..   ففي صحيح البخاري هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «لا لن يُدخِلَ أحدًا عملُهُ الجنَّةَ قالوا : ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ : لا ، ولا أنا ، إلَّا أن يتغمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضلٍ ورَحمةٍ »

   أقبل على الله ياعبد الله يقبل عليك.. فإنه سبحانه يقبل العفو.. ويغفر الذنب بل إنه سبحانه يفرح بتوبتك أيما فرح.. فلا تحرم نفسك من رحمة الله بإعراضك عن التوبة .

   إن من أدرك أن رحمة الله تسع ذنبه.. وأن الله جل وعلا قد أوجب عليه الرجوع إليه.. وأنه موعود بقبول توبته بل وإثابته عليها.. ثم لا يزال يتردد في التوبة والاستغفار.. لقليل العزم.. مغبون !

 قال تعالى : "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ "

فانظر رعاك الله كيف قسم الله أعمال المتقين إلى عملين : الأول عمل سيئ والثاني عمل حسن, وبين سبحانه أنه جزاهم على الإحسان إحسانًا.. وكفر عنهم السيئات.. وهذا من رحمته سبحانه بهم ولو حاسبهم على ما عملوا لاستحقوا العقاب..

   وقال ابن عاشور : وقوله انه من عمل منكم سوءا بجهاله قراه نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمزه على انه بدل من الرحمه بدل اشتمال لان الرحمه العامه تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنبا ثم تاب واصلح وقراه الباقون بكسر الهمزه على ان يكون استئنافا بيانيا لجواب سوال متوقع عن مبلغ الرحمه ومن شرطيه وهي ادل على التعميم من الموصوله والباء في قوله بجهاله للملابسه اي ملتبسا بجهاله والمجرور في موضع الحال من ضمير عمل والجهاله تطلق على انتفاء العلم بشيء ما وتطلق على ما يقابل الحلم وقد تقدم في قوله تعالى {انما التوبه على الله للذين يعملون السوء بجهاله }، والمناسب هنا هو المعنى الثاني اي من عمل سوءا عن حماقه من نفسه وسفاهه لأن المومن لا ياتي السيئات الا عن غلبه هواه رشده ونُهاه وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمه

   وورد في التفسير الميسر : وإذا جاءك -أيها النبي- الذين صَدَّقوا بآيات الله الشاهدة على صدقك من القرآن وغيره مستفتين عن التوبة من ذنوبهم السابقة، فأكرِمْهم بردِّ السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة؛ فإنه جلَّ وعلا قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضلا أنه من اقترف ذنبًا بجهالة منه لعاقبتها وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم تاب من بعده وداوم على العمل الصالح، فإنه تعالى يغفر ذنبه، فهو غفور لعباده التائبين، رحيم بهم.

 وقال طنطاوي في الوسيط: اى انه من عمل منكم عملا تسوء عاقبته متلبسا بجهالة دفعته الى ذلك السوء كغضب شديد ثم تاب من بعد تلك الجهاله واصلح خطأه وندم على ما بدر منه ورد المظالم الى اهلها فالله سبحانه شانه في معاملته لهذا التائب النادم انه غفور رحيم

   وقال البغوى : قوله عز وجل واذا جاءك الذين يومنون باياتنا فقل سلام عليكم قال عكرمه نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا راهم بداهم بالسلام وقال عطاء نزلت في ابي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وابي عبيده ومصعب بن عمير وحمزه وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والارقم بن ابي الارقم وابي سلمه بن عبد الاسد رضي الله عنهم اجمعين كتب ربكم على نفسه الرحمه اي قضى على نفسه الرحمه انه من عمل منكم سوءا بجهاله قال مجاهد لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب وقيل جاهل بما يورثه ذلك الذنب وقيل جهالته من حيث انه اثر المعصيه على الطاعه والعاجل القليل على الاجل الكثير ثم تاب من بعده رجع عن ذنبه واصلح عمله قيل اخلص توبته فانه غفور رحيم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#من يعمل السيئات ثم يتوب ويؤمن يغفر الله له  

قال تعالى : { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم }

  قال طنطاوي : المعنى والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعد فعلهم لها توبه صادقه نصوحا ورجعوا الى الله تعالى معتذرين نادمين مخلصين الايمان له فان الله تعالى من بعد الكبائر التي اقلعوا عنها لساتر عليهم اعمالهم السيئه وغير فاضحهم بها رحيم بهم وبكل من كان مثلهم من التائبين  

وقال ابن كثير : نبه تعالى عباده وارشدهم الى انه يقبل توبة عباده من اي ذنب كان حتى ولو كان من كفر او شرك او نفاق او شقاق ; ولهذا عقب هذه القصه بقوله والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وامنوا ان ربك اي يا محمد يا رسول الرحمه ونبي النور من بعدها اي من بعد تلك الفعله لغفور رحيم

وقال الطبرى : هذا خبر من الله تعالى ذكره انه قابل من كل تائب اليه من ذنب اتاه صغيرة كانت معصيته او كبيرة كفرا كانت او غير كفر كما قبل من عَبَدَةَ  العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم يقول جل ثناوه :والذين عملوا الاعمال السيئه ثم رجعوا الى طلب رضى الله بانابتهم الى ما يحب مما يكره والى ما يرضى مما يسخط من بعد سيئ اعمالهم وصدقوا ؛ بان الله قابل توبة المذنبين وتائب على المنيبين باخلاص قلوبهم ويقين منهم بذلك " لغفور " لهم يقول لساتر اعمالهم السيئه عليهم وغير فاضحهم بها " رحيم " بهم وبكل من كان مثلهم من التائبين  

#  الذين تابوا  قبل أن يُقدر عليهم يتوب الله عليهم

قال تعالى : { إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  }

  قال البغوى : فمن ذهب الى ان الايه نزلت في الكفار قال معناه الا الذين تابوا من شركهم واسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعه عليهم فيما اصابوا في حال الكفر من دم او مال واما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدره عليهم وهو قبل ان يظفر به الامام تسقط عنه كل عقوبه وجبت حقا لله ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فان كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبه قبل القدره عليه تحتم القتل ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فان شاء عفا عنه وان شاء استوفاه وان كان قد اخذ المال يسقط عنه القطع وان كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه وقال بعضهم اذا جاء تائبا قبل القدره عليه لا يكون لاحد عليه تبعه في دم ولا مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده الى صاحبه

 وقال القرطبى : استثنى جل وعز التائبين قبل ان يقدر عليهم واخبر بسقوط حقه عنهم بقوله {فاعلموا ان الله غفور رحيم } اما القصاص وحقوق الادميين فلا تسقط ومن تاب بعد القدره فظاهر الايه ان التوبه لا تنفع وتقام الحدود عليه كما تقدم وللشافعي قول انه يسقط كل حد بالتوبه والصحيح من مذهبه ان ما تعلق به حق الادمي قصاصا كان او غيره فانه لا يسقط بالتوبه قبل القدره عليه وقيل اراد بالاستثناء المشرك اذا تاب وآمن قبل القدره عليه فانه تسقط عنه الحدود ; وهذا ضعيف ; لانه إن آمن بعد القدره عليه لم يقتل ايضا بالاجماع وقيل انما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدره عليهم والله اعلم لانهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها اذا نالتهم يد الامام او لانه لما قدر عليهم صاروا بمعرض ان ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ; كالمتلبس بالعذاب من الامم قبلنا او من صار الى حال الغرغره فتاب ; فاما اذا تقدمت توبتهم القدره عليهم فلا تهمه وهي نافعه

 وقال ابن عاشور : والاستثناء بقوله { الا الذين تابوا }راجع الى الحكمين خزي الدنيا وعذاب الاخره بقرينه قوله {من قبل ان تقدروا عليهم } لان تاثير التوبة في النجاة من عذاب الاخرة لا يتقيد بما قبل القدرة عليهم وقد دلت اداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة......

وعند جمهور العلماء فليس المستثنى مسكوتا عنه كما يقول الحنفيه ولولا الاستثناء لما دلت الايه على سقوط عقوبه المحارب المذكوره فلو قيل فان تابوا لم تدل الا على قبول التوبه منهم في اسقاط عقاب الاخره ومعنى {من قبل ان تقدروا عليهم }ما كان قبل ان يتحقق المحارب انه ماخوذ او يضيق عليه الحصار او يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه فان اتى قبل ذلك كله طائعا نادما سقط عنه ما شرع الله له من العقوبه لانه قد دل على انتقال حاله من فساد الى صلاح فلم تبق حكمة في عقابه ولما لم تتعرض الايه الى غرم ما اتلفه بحرابته علم ان التوبه لا توثر في سقوط ما كان قد تعلق به من حقوق الناس من مال او دم لان ذلك معلوم بادلة اخرى وقوله {فاعلموا ان الله غفور رحيم }تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب من يتعجب من سقوط العقاب عنهم فالفاء فصيحه عما دل عليه الاستثناء من سقوط العقوبه مع عظم الجرم والمعنى ان عظم عندكم سقوط العقوبه عمن تاب قبل ان يقدر عليه فاعلموا ان الله غفور رحيم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والعشرون في موضوع التوبة وهي بعنوان 

# اللتان تظاهرتا على رسول الله دعا هن الله للتوبة

قال تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير }

  قال طنطاوي : ثم وجه سبحانه بعد ذلك خطابه الى حفصه وعائشه فامرهما بالتوبه عما صدر منهما فقال ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما ولفظ صغت بمعنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما ومنه قوله تعالى {ولتصغى اليه افئده الذين لا يومنون بالاخره }وجواب الشرط محذوف والتقدير ان تتوبا الى الله فلتوبتكما موجب او سبب فقد مالت قلوبكما عن الحق وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول صلى الله عليه وسلم من كتمان لسره ومن حرص على راحته ومن احترام لكل تصرف من تصرفاته وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبه الى الخطاب مبالغه فى المعاتبه فان المبالغ فى ذلك يوجه الخطاب الى من يريد معاتبته مباشره وقال سبحانه فقد صغت قلوبكما بصيغه الجمع للقلوب ولم يقل قلبا كما بالتثنيه لكراهه اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمه الواحده مع ظهور المراد وامن اللبس ثم ساق سبحانه ما هو اشد فى التحذير والتاديب فقال {ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المومنين والملائكه بعد ذلك ظهير }وقوله تظاهرا اصله تتظاهرا فحذفت احدى التاءين تخفيفا والمراد بالتظاهر التعاون والتازر يقال ظاهر فلان فلانا اذا اعانه على ما يريده واصله من الظهر ؛ لان من يعين غيره فكانه يشد ظهره ويقوى امره قال تعالى{الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم احدا فاتموا اليهم عهدهم الى مدتهم } وجواب الشرط ايضا محذوف اى وان تتعاونا عليه بما يزعجه ويغضبه من الافراط فى الغيره وافشاء سره فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذى ينصره عليكما فان الله تعالى هو مولاه اى ناصره ومعينه وجبريل كذلك ناصره ومعينه عليكما وصالح المومنين اى وكذلك الصالحون من المومنين من انصاره واعوانه والملائكه بعد ذلك ظهير اى والملائكه بعد نصر الله تعالى له وبعد نصر جبريل وصالح المومنين له مويدونه ومناصرونه وواقفون فى صفه ضدكما وفى هذه الايه الكريمه اقوى الوان النصر والتاييد للرسول صلى الله عليه وسلم واسمى ما يتصوره الانسان من تكريم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن غيرته عز وجل عليه ومن دفاعه عنه صلى الله عليه وسلم وفيها تعريض بان من يحاول اغضاب الرسول صلى الله عليه وسلم فانه لا يكون من صالح المومنين وقوله وجبريل مبتدا وقوله وصالح المومنين والملائكه معطوف عليه وقوله بعد ذلك متعلق بقوله ظهير الذى هو خبر عن الجميع وقد جاء بلفظ المفرد لان صيغه فعيل يستوى فيها الواحد وغيره فكانه تعالى قال الجمع بعد ذلك مظاهرون له واختير الافراد للاشعار بانهم جميعا كالشىء الواحد فى تاييده ونصرته وبانهم يد واحده على من يعاديه قال صاحب الكشاف فان قلت قوله بعد ذلك تعظيم للملائكه ومظاهرتهم وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المومنين ونصرة الله تعالى اعظم واعظم قلت مظاهره الملائكه من جمله نصرة الله فكانه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته لفضلهم " وخص جبريل بالذكر مع انه من الملائكه للتنويه بمزيد فضله فهو امين الوحى والمبلغ عن الله تعالى الى رسله هذا ومما يدل على ان الخطاب فى قوله تعالى {ان تتوبا الى الله}لحفصه وعائشه ما اخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس انه قال لم ازل حريصا على ان اسال عمر عن المراتين من ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى فيهما {ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما }فلما كان ببعض الطريق قلت يا امير المومنين من المراتان من ازواج النبى صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى فيهما { ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما } فقال عمر واعجبا لك يا ابن عباس هما حفصه وعائشه

  وقال ابن كثير : عن ابن عباس قال الله تعالى "ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالاداوه فتبرز ثم اتاني فسكبت على يديه فتوضا فقلت يا امير المومنين من المراتان من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى "ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما" فقال عمر واعجبا لك يا ابن عباس قال الزهري كره والله ما ساله عنه ولم يكتمه قال هي عائشه وحفصه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثلاثون في موضوع التوبة وهي بعنوان 

# من لم يتب من السخرية واللمز... فأولئك هم الظالمون

  قال تعالى : { ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون }

ورد في التفسير الميسر : يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشريعته لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين؛ عسى أن يكون المهزوء به منهم خيرًا من الهازئين، ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات؛ عسى أن يكون المهزوء به منهنَّ خيرًا من الهازئات، ولا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ولا يَدْعُ بعضكم بعضًا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ومن لم يتب من هذه السخرية واللمز والتنابز والفسوق فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب هذه المناهي

   وقال السعدي : وهذا من حقوق المؤمنين، بعضهم على بعض، أن لا يسخر قوم من قوم بكل كلام، وقول، وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك حرام، لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به خيرا من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية، لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم"

   ثم قال: ولا تلمزوا أنفسكم أي: لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار.

  كما قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة } الآية، وسمى الأخ المسلم نفسا لأخيه، لأن المؤمنين ينبغي أن يكون هكذا حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره، أوجب للغير أن يهمزه، فيكون هو المتسبب لذلك.

ولا تنابزوا بالألقاب أي: لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا. بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب.

ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون فهذا هو الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابلة على ذمه.

ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون فالناس قسمان: ظالم لنفسه غير تائب، وتائب مفلح، ولا ثم قسم ثالث غيرهما.

#التوبة عن إبداء الزينة  لغير المحارم

قال تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل

الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون  }

قال ابن تيمية : فى قوله فى آخر الآية‏:‏ ‏{‏‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}‏‏ ‏، فوائد جليلة، منها‏:‏ أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة فى هذا السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التى هى ترك غض البصر وحفظ الفرج، وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك، فمستقل ومستكثر، كما فى الحديث "ما من أحد من بنى آدم إلا أخطأ أو هَمَّ بخطيئة إلا يحيى بن زكريا‏"‏‏‏.‏

وذلك لا يكون إلا عن نظر، وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قـال "كل بنى آدم خطـاء، وخير الخطـائين التوابـون‏"‏‏، وفى الصحيـح عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم"يقول الله تعالى‏:‏ يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا ولا أبالى، فاستغفرونى أغفر لكم‏"‏‏‏.                ومنها‏:‏ أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون بالتوبة، وإنما أمروا بها لتقبل منهم، فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ‏} ‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} ‏‏، وسواء كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها كإتيان ذوات المحارم، وعمل قوم لوط أو غير ذلك وسواء تاب الفاعل أو المفعول به فمن تاب تاب الله عليه،

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#أسباب التوبة :

*من أسباب التوبة : الاعتصام بالله، لقوله {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } ، وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينها . ومن شروطها الندم والإقلاع والاعتذار.

*وكذلك من الأسباب ذكر الله فمن نسى الله فسوف ينسيه نفسه.    ومع هذا فلم يؤيس الله العاصي من رحمته، بل قال : متى جئتني قبلتك. وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا، وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا . وإن مشيت إلي هرولت إليك. ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، أتيتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك . ومن أعظم مني جودا وكرما ؟ . عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي. خيري إلى العباد نازل. وشرهم إلى صاعد. أتحبب إليهم بنعمي . وأنا الغني عنهم . ويتبغضون إلي بالمعاصي. وهم أفقر شيء إلي .إلى آخر الحديث القدسي.

ومع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس، فأنت توالى من عادى الله إبليس ، وقد أمرك الله بشكره لا لحاجته إليك ولكن لتسأل به المزيد من فضله،

*وتعظيم الجناية من أسباب حسن التوبة، لأنه من استهان بجنايته لم يندم عليها . وكذا  تسيير القلب والجوارح لله

ومن عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه حتى يستحكم الهلاك، فالإصرار على المعصية معصية أخرى . وأشد من ذلك المجاهرة بالذنب  مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه ، وهو ما يجعل العبد دائر بين قلة الحياء والانسلاخ من الدين.

ويؤكد ابن القيم أن أسلاف المسلمين تميزوا بعمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم على عكس المتأخرين .

وفي الحديث أن “من أعرض عني ناديته من قريب . ومن ترك ﻷجلي أعطيته فوق المزيد . ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد” ثم يقول عن عباده “أنا طبيبهم. أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب” ويقول صلى الله عليه وسلم “لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه . فطلبها حتى إذا أيس من حصولها . نام في أصل شجرة ينتظر الموت. فاستيقظ فإذا هي على رأسه . قد تعلق خطامها بالشجرة . فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته “  .

ومن أسباب التوبة والأوبة إلى الله

أولا: الإكثار من ذكر الموت

لقد أكثر الله من ذكر الموت في القرآن , والسر في ذلك أن الإكثار من ذكر الموت من أسباب التوبة والأوبة إلى الله تعالى…

قال الله تعالى: **كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }

ولقد حثنا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الإكثار من تذكر الموت …

أخرج الترمذي في سننهعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ.))

بل ندب إلينا رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) أن نزور القبور , والسر في زيارتها أنه يذكرنا بالموت الذي يعد سبب من أسباب التوبة والأوبة والرجعة إلى الله تعالى.

أخرج الحاكم عن أنس ( رضي الله عنه ) أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم )قال:

((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب و تدمع العين و تذكر الآخرة.))

ثانيا: من أسباب التوبة المصائب والمحن التي يبتلي الله بها الإنسان

إن الإنسان وقت البلاء يكون أقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويكون أكثر تهيئا للتوبة والرجعة إليه …

قال الله تعالى: **وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}

إن العزيز الحكيم إنما يذيقنا العذابات لا حبا في العقوبة , ولكن لحكمة غالية ألا وهي: أن تكون هذه العقوبات والبلاءات سببا في توبتنا ورجعتنا إلى الله اعلي الحكيم …

قال الله تعالى: ** وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)}

بل إن الله قد ينزل العقوبة بفئة معينة من عباده ليعتبر الباقون , وليتعظ الباقون , وليرجع الباقون إلى الله العلي الحليم…

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(27)}  إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والثلاثون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان : أسباب التوبة :

ويتعرض الإنسان إلى نوعين من البلاءات التي يقصد منها التوبة والرجعة إلى الله هما كالتالي:

1ـ يبتليه الله بما هو مكروه عنده.

2ـ يبتليه الله بما هو محبوب عنده.

 قال الله تعالى: {… وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

ومن أوضح الأمثلة على البلاءات في الخير وفيما يحبه الإنسان ما جاء في قصة الأقرع والأبرص والأعمى…

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

( إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى , بَدَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ , فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا , فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ , قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ , قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ , فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا , فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ , إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ , فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ , فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا , وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ , قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ , وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا , قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقَالَ قَالَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ.)

ثالثا: من أسباب التوبة تأمل قصص التائبين والصالحين

لقد أكثر الله من ذكر القصص في القرآن الكريم , فهل فكر أحدنا عن السر من وراء ذلك؟

إن السر في ذلك هو أن القصص من أعظم أسباب التوبة , وكم تاب رجال وكان السبب في ذلك قصة سمعوها من هنا أو من هناك…

قال الله تعالى: ** لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

رابعا: من أسباب التوبة التأمل في مخلوقات الله

كم من عالم كافر أسلم وقاده في ذلك التأمل في مخلوقات الله , والتفكر في آلائه , نعم … أن مما لا شك فيه أن التأمل والتدبر في المخلوقات من أسباب التوبة …

قال الله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

وقال أيضا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)}

وقديما قال أحد الأعراب: << أثر البعر يدل على البعير , وأثر السير يدل على المسير , سماء ذات أبراج , وأرض ذات فجاج , ألا يدل ذلك على العليم الخبير.>>

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضيتين والتي هي بعنوان : أسباب التوبة :

خامسا: من أسباب التوبة الدعاء

إن من أسباب التوبة الفعالة الدعاء , وذلك يكون بأن يدعو الإنسان ربه أن يتوب عليه , وأن يهديه الصراط المستقيم , فالتوبة والهداية ليست بيد أحد سوى الله …

قال الله تعالى: {… ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

 وقال أيضا: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }

ويكون الدعاء أيضا من أسباب التوبة يوم يدعو الصالحون للعصاة بالتوبة والرجعة إلى الله , وهكذا كان هدي النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم )

أخرج البخاري في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: (قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرِو الدَّوْسِيُّ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ، وَأَبَتْ فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ.)

أخرج أحمدعنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ ، أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ الطَّائِفَ قَالَ : فَجَاءَهُ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ ، فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : (اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا ، اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا.)

 أخرج أحمد في مسنده عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ.)

ويكفينا في هذا المقام أن نورد قوله تعالى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ): { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }

وإن من واجبنا جميعا أن نفكر في الكيفية التي ندخل بها الناس في الإسلام , لا في الكيفية التي نخرجهم بها من الإسلام , اللهم اهدنا , واهد بنا , واجعلنا سببا لمن اهتدى.

سادسا: من أسباب التوبة الرفق واللين والرحمة في دعوة الناس

وفي ذلك يقول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }

ويقول أيضا: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }

وأخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى جَمَلٍ فَجَعَلَتْ تَضْرِبُهُ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- : « يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ».                 لقد فعل أهل مكة بالرسول الأفاعيل , ولما دخل مكة فاتحا لها قال لهم: (ما تظنون أني فاعل بكم , قالوا خيرا , أخ كريم , وابن أخ كريم , قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء.) فهل تعلمون ماذا ترتب على فعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) آنف الذكر؟ لقد أسلم أهل مكة لله رب العالمين , وحسن إسلامهم , ولم يرتدوا مع من ارتد من العرب بعد وفاة النبي  صلى الله عليه وسلم …

قال الله تعالى: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا }

سابعا: من أسباب التوبة الحرص على دعوة المسلمين أجمعين

قال الله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }

وقال الله تعالى: { طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)}

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا لما مض والتي هي بعنوان : أسباب التوبة :

ثامنا: من أسباب التوبة اتخاذ رفقة صالحة

قال الله تعالى: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)}

وأخرج أبو داوودعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».

وأخرج البخاري عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ حَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدُ رِيحًا خَبِيثَةً».

 والعرب تقول: << قل لي من صاحبك , أقل لك من أنت>>

إن الصديق الصالح من أسباب التوبة لأنه يذكرك بالله إذا نسيت , وينبهك إلى الطاعة إذا غفلت , ويسوقك إلى رضى الله إذا قصرت , ويؤنبك على المعصية إذا فعلت , وينافسك في الخيرات كلها فيزيد جدك جدا واجتهادك اجتهادا …

قال الله تعالى: {… وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)}[المطففين]

تاسعا: من أسباب التوبة سماع آيات القرآن الكريم

كثيرون هم الذين تابوا تأثرا بآيات القرآن الكريم , فالقرآن كما وصفه الوليد وهو رجل مشرك:

<< إن له لطلاوة , وإن عليه لحلاوة , وإن أعلاه لمثمر , وإن أسفله لمغدق , وإنه ليعلو , ولا يعلى عليه.>>

أبلغ من هذا ما وصفه به الله فقال: ** أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)}[الزمر]

وقال: ** أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)}[الحديد]

وقصة توبة مالك بن دينار رحمه الله بعد أن رأى ابنته في المنام تتلو هذه الآية مشهورة معروفة , فمن الأهداف التي نزل القرآن من اجلها تذكير الناسي وتنبيه العاصي بضرورة التوبة واللرجعة إلى الله ( سبحانه وتعالى ) …

قال الله تعالى: ** نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)}[ق]

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#من هم قساة القلوب؟

هم الذين يتعرضون لعشرات الأسباب التي تدفع للتوبة , ثم هم لا يتوبون , ولا هم يذكرون

قال الله تعالى: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)}[الأعراف]

وقال أيضا: { وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)}[الزخرف]

وقال أيضا: ** فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)}[الأنعام]

# مفتاح التوبة :

قال جماز الجماز : هذه  سبل وطرق معينة على الاستمرار في التوبة، بل هي مفتاح التوبة، منها :

1 – الإخلاص لله _تبارك وتعالى_:

فهو أنفع الأدوية، فمتى أخلصتَ لله جل وعلا، وصدَقْتَ في توبتك أعانك الله عليها، ويسّرها لك وصَرف عنك الآفات التي تعترض طريقك، وتصدّك عن التوبة، من السوء والفحشاء، قال تعالى في حق يوسف عليه السلام : "كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ" (يوسف: من الآية24).

قال ابن القيم: "فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشاً، وأنعمهم بالاً، وأشرحهم صدراً، وأسرهم قلباً، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة"ا.هـ

فليكن مقصدك صحيحاً، وتوبتك صالحة نصوحاً.الأنترنت – موقع عودة ودعوة - جليبيب المقدسي

2 – امتلاء القلب من محبة الله تبارك وتعالى:

إذ هي أعظم محركات القلوب، فالقلب إذا خلا من محبة الله _جل وعلا_ تناوشته الأخطار، وتسلّطت عليه الشرور، فذهبت به كل مذهب، ومتى امتلأ القلب من محبة الله _جل وعلا_ بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة –كَمُل أنْسُه، وطاب نعيمه، وسلم من الشهوات، وهان عليه فعل الطاعات.

فاملأ قلبك من محبة الله تبارك وتعالى، وبها يحيا قلبك.

3 – المجاهدة لنفسك:

فمجاهدتك إياها عظيمة النفع، كثيرة الجدوى، معينة على الإقصار عن الشر، دافعة إلى المبادرة إلى الخير، قال _تعالى_: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت:69).

فإذا كابدت نفسك وألزمتها الطاعة، ومنعتها عن المعصية، فلتُبشر بالخير، وسوف تُقبل عليك الخيرات، وتنهال عليك البركات، كل ما كان كريهاً عندك بالأمس صار عندك اليوم محبوباً، وكل ما كان بالأمس ثقيلاً، صار اليوم خفيفاً، واعلم أن مجاهدتك لنفسك، ليست مرة ولا مرتين، بل هي حتى الممات.

4 – قِصَر الأمل وتذكّر الآخرة:

فإذا تذكّرت قِصَر الدنيا، وسرعة زوالها، وأدركتَ أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكّرت الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والنار وما فيها من العذاب الأليم، ابتعدتَ عن الاسترسال في الشهوات، وانبعثت إلى التوبة النصوح ورصّعتها بالأعمال الصالحات.

5 – العلم:

إذ العلم نور يُستضاء به، بل يشغل صاحبه بكل خير، ويشغله عن كل شر، والناس في هذا مراتب، وكل بحسبه وما يناسبه، فاحرص على تعلم ما ينفعك ومن العلم أن تعلم وجوب التوبة، وما ورد في فضلها، وشيئاً من أحكامها، ومن العلم أن تعلم عاقبة المعاصي وقبحها، ورذالتها، ودناءتها.

6 – الاشتغال بما ينفع وتجنّب الوحدة والفراغ:

فالفراغ عند الإنسان السبب المباشر للانحراف، فإذا اشتغلتَ بما ينفعك في دينك ودنياك، قلَّتْ بطالتك، ولم تجد فرصة للفساد والإفساد، ونفسك أيها الإنسان إن لم تشغلها بما ينفعها شغلتك بما يضرك.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي بعنوان : مفتاح التوبة

7 – البعد عن المثيرات، وما يذكّر بالمعصية:

فكل ما من شأنه يثير فيك دواعي المعصية ونوازع الشر، ويحرّك فيك الغريزة لمزاولة الحرام، قولاً وعملاً، سواء سماعاً أو مشاهدة أو قراءة، ابتعد عنه، واقطع صلتك به، كالأشخاص بعامة، والأصدقاء بخاصة، وهكذا النساء الأجانب عنك، وهكذا الأماكن التي يكثر ارتيادها وتُضعف إيمانك، كالنوادي والاستراحات والمطاعم، وهكذا الابتعاد عن مجالس اللغو واللغط ، والابتعاد عن الفتن، وضبط النفس فيها، ومنه إخراج كل معصية تُبتَ منها، وعدم إبقائها معك، في منزلك أو عملك.

8 – مصاحبة الأخيار:

فإذا صاحبت خيّراً حيا قلبك، وانشرح صدرك، واستنار فكرك، وبصّرك بعيوبك، وأعانك على الطاعة، ودلّك على أهل الخير.

وجليس الخير يذكرك بالله، ويحفظك في حضرتك ومغيبك، ويحافظ على سمعتك، واعلم أن مجالس الخير تغشاها الرحمة وتحفّها الملائكة، وتتنزّل عليها السكينة، فاحرص على رفقة الطيبين المستقيمين، ولا تعد عيناك عنهم، فإنهم أمناء.

9 – مجانبة الأشرار:

فاحذر رفيق السوء، فإنه يُفسد عليك دينك، ويخفي عنك عيوبك، يُحسّن لك القبيح، ويُقبّح لك الحسن، يجرّك إلى الرذيلة، ويباعدك من كل فضيلة، حتى يُجرّئك على فعل الموبقات والآثام، والصاحب ساحب، فقد يقودك إلى الفضيحة والخزي والعار، وليست الخطورة فقط في إيقاعك في التدخين أو الخمر أو المخدرات، بل الخطورة كل الخطورة في الأفكار المنحرفة والعقائد الضالة، فهذه أخطر وأشد من طغيان الشهوة؛ لأن زائغ العقيدة قد يستهين بشعائر الإسلام، ومحاسن الآداب، فهو لا يتورع عن المناكر، ولا يُؤتمن على المصالح، بل يُلبس الحق بالباطل، فهو ليس عضواً أشل، بل عضو مسموم يسري فساده كالهشيم في النار.

10 – النظر في العواقب:

فعندما تفكر في مقارفة سيئة، تأمّل عاقبة أمرك، واخشَ من سوء العاقبة فكما أنك تتلذذ بمقارفة المنكر ساعة، ليكن في خَلَدك أنك سوف تتجرّع مرارات الأسى، ساعات وساعات، فجريمة الزنا، فضيحة وحَدّ، والحدّ إما تغريب أو قتل، وجريمة السرقة، عقوبة وقطع، وجريمة المسكر ويلات وجلد، وجريمة الإفساد، صلب أو قطع أو قتل، هذا في الدنيا، أما الآخرة فالله تعالى بالمرصاد، ولن يخلف الميعاد.

11 – هجر العوائد:

فينبغي لك أيها الصادق، ترك ما اعتدته من السكون إلى الدعة والراحة؛ لأنك إن أردت أن تصل إلى مطلوبك، فتحوّل عنها؛ لأنها من أعظم الحُجُب والمواقع التي تقف أمام العبد في مواصلة سيره إلى ربه، وتعظم تلك العوائد حينما تُجعل بمنزلة الشرع أو الرسوم التي لا تُخالف. وكذلك يصنع أقوياء العزيمة، وأبطال التوبة، فكن منهم.

12 – هجر العلائق:

فكل شيء تعلّق به قلبك دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياساتها ومصاحبة الناس والتعلق بهم، والركون إليهم، وذلك على حساب دينك، اهجره واتركه، واستبدله بغير ذلك، وقوِّ علاقتك بربِّك، واجعله محبوبك، حتى يضعف تعلّق قلبك بغير الله تعالى.

13 – إصلاح الخواطر والأفكار:

إذ هي تجول وتصول في نفس الإنسان وتنازعه، فإن هي صلحت صلح قلبك، وإن هي فسدت فسد قلبك.

واعلم أن أنفع الدواء لك أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيم لا يعني باب كل شر، ومن فكّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة لدينه.

وإياك أن تمكِّن الشيطان من بيت أفكارك وخواطرك، فإن فعلتَ فإنه يُفسدها عليك فساداً يصعب تدراكه، فافهم ذلك جيداً.

14 – استحضار فوائد ترك المعاصي:

فكلما همّت نفسك باقتراف منكر أو مزاولة شر، تذكّر أنك إن أعرضتَ عنها واجتهدت في اجتنابها، ولم تقرب أسبابها، فسوف تنال قوة القلب، وراحة البدن، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، وقلة الهم والغم والحزن، وصلاح المعاش، ومحبة الخلق، وحفظ الجاه، وصون العرض، وبقاء المروءة، والمخرج من كل شيء مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليك من حيث لا تحتسب، وتيسير ما عَسُر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليك، وتيسير العلم، فضلاً أن تسمع الثناء الحسن من الناس........

إنك إن استحضرت ذلك كله، فأيقن بالخلاص من الولوغ في مستنقع الرذيلة.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا لما مضى وهي بعنوان : مفتاح التوبة

15 – استحضار أضرار الذنوب والمعاصي:

فكلما أردتَ مزاولة الحرام، ذكِّر نفسك أنك إن فعلت شيئاً من ذلك فسوف تُحرم من العلم والرزق، وسوف تَلقى وحشة في قلبك بينك وبين ربك، وبينك وبين الناس، وأن المعصية تلو المعصية تجلب لك تعسير الأمور، وسواد الوجه، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركته، وأنها سبب رئيس لظلمة القلب، وضيقه، وحزنه، وألمه، وانحصاره، وشدة قلقه، واضطرابه، وتمزّق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعرِّيه من زينته.

استحضر أنّ المعصية تورث الذل، وتفسد العقل، وتقوي إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة، وتزرع أمثالها، وتدخلك تحت اللعنة

وتحرمك من دعوة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ ودعوة المؤمنين، ودعوة الملائكة، بل هي سبب لهوانك على الله، وتُضعف سيرك إلى الله والدار الآخرة، واعلم أن المعصية تطفئ نار الغيرة من قلبك، وتذهب بالحياء، وتضعف في قلبك تعظيم ربك، وتستدعي نسيان الله لك، وأن شؤم المعصية لا يقتصر عليك، بل يعود على غيرك من الناس والدواب.

استحضر أنك إن كنت مصاحباً للمعصية، فالله يُنزل الرعب في قلبك، ويزيل أمنك، وتُبدَّل به مخافة، فلا ترى نفسك إلا خائفاً مرعوباً. تذكّر ذلك جيداً قبل اقترافك للسيئة.

16 – الحياء:

إذ الحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، فمتى انقبضت نفسك عما تُذم عليه، وارتدعت عما تنزع إليه من القبائح، فاعلم أنك سوف تفعل الجميل تلو الجميل، وتترك القبيح تلو القبيح، وحياءٌ مثل هذا هو أصل العقل، وبذر الخير، وأعظمه أن تستحي من ربك _تبارك وتعالى_ بأن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، فإنك متى علمتَ بنظر الله إليك، وأنك بمرأى ومسمع منه، استحييت أن تتعرّض لمساخطه، قولاً وعملاً واعتقاداً.

ومن الحياء المحمود، الحياء من الناس، بترك المجاهرة بالقبيح أمامهم. ومن الحياء المحمود، الحياء بألا ترضى لنفسك بمراتب الدون. احرص دائماً على تذكر الآثار الطيبة للحياء، وطالع أخلاق الكُمَّل، واستحضر مراقبة الله _تعالى_، عندها سوف تمتلك الحياء، فتقترب من الكمال، وتتباعد عن النقائص.

17 – تزكية النفس:                                                                                                     طهِّر نفسك وأصلحها بالعمل الصالح والعلم النافع، وافعل المأمورات واترك المحظورات، وأنتَ إذا قمتَ بطاعةٍ ما، فإنما هي صورة من صور انتصارك على نفسك، وتحرّرك من قويدها، وهكذا كلما كسرتَ قيداً، كلما تقدمت خطوة، والخير دائماً يلد الخير، واعلم أن شرف النفس وزكائها، يقود إلى التسامي والعفة.

18 – الدعاء:

فهو من أعظم الأسباب، وأنفع الأدوية، بل الدعاء عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يُخفِّفه إذا نَزَل. ومن أعظم ما يُسأل، ويُدعى به سؤال الله التوبة. ادع الله تبارك وتعالى أن يمن عليك بالتوبة النصوح.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#دفع قدر الله بقدر الله

     قال ابن القيم : والتائبون هم من ركبوا سفينة النجاة التي من تخلف عنها غرق، فركبوا سفينة الأمر بالقدر، والمتخلفون عن السفينة كقوم نوح أغرقوا ثم أحرقوا و”قيل بعدا للقوم الظالمين” ثم يقول الحق “وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين “وهؤلاء من كانوا يقولون بأن الله لو أراد لجعلهم مهتدين ومنهم عباد الأصنام وقتلة الأنبياء وفرعون وهامات وابي جهل وأصحابه وإبليس وجنوده، دائما العذر نفسه .

وأصحاب العزائم من العارفين يدفعون القدر بالقدر، ومن ذلك دفع السيئة بالحسنة، وكلاهما من قدر الله، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : “يا رسول الله ، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقي بها. هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال : هي من قدر الله “

والاستسلام للعدو وعدم دفع أذاه بديار المسلمين بالجهاد الشرعي هو من المعاصي، وكذلك كل أذى لا يدفعه المسلم بما يقتضيه يكون بذلك عاصيا لربه .

وقيل أن داود قد نقش الخطيئة في كفه، وكان ينظر إليها ويبكي .فالذنب يتيه الإنسان عن الطريق. وإذا أحس العبد من نفسه حال العجب ونسيان المنة، فتذكر الذنب أنفع له . أما من أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات الربانية، فهذا يكون نسيانه لجنايته وإعراضه عن ذنبه أولى به وأنفع .

وتذكر الذنب يُعرف العبد عزة الله في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته .  ومن يتذكر ذلك يشعر بتمكن سيده وأن ناصيته بيده فلا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل في قبضة عزيز حميد .  وأن يشعر ببره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية ، مع كمال رؤيته له . ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه وهو من أسماء الله “البر” و”الحليم” و”الغفار” والنفس فيها مضاهاة للربوبية ولو قدرت لقالت كقول فرعون. ولكنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر . وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية ، ما تعنيه من الافتقار إلى الله الغني، وطاعته وعبوديته وهو ذل اختيار وليس كمثل السابق يشترك فيه جميع الخلائق ،وهناك ذل المحبة وذل المعصية والجناية.

يقول رسول الله : “لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيُغفر لهم”.وقد جعل الله العفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة والفضل أحب من العدل والعطاء أحب من المنع .

وسبحانه يضحك من عبده حين يترك فراشه ومضاجعته حبيبته إلى خدمته، يتلو آياته ويتملقه. ويضحك ممن هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليهم وباع نفسه لله ولقاهم نحره حتى قُتل في محبته ورضاه . ويضحك ممن أعطى السائل سرا صدقته .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والثلاثون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#النفس الأمارة .. ودروب الشيطان

والله يعاقب عباده بالحجة على ذنوبهم، ومن تلك الحجج إرسال الرسل والكتب وإتيان العلم، لقوله سبحانه : “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا” وهناك من يحق القول عليه من الكافرين وهناك من كان حيا متقبلا للإنذار منتفعا به.  وقد حقت كلمة الإضلال والعذاب على الذين كفروا بسبب ظلمهم

ويقول الحق “إن النفس لأمارة بالسوء” و”من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” ولهذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.  وكان دعاؤه سيد الاستغفار اعترافا بربوبية الله وإلهيته وأن ناصية العباد بيده وأنه يلتزم بالدخول تحت عهده أي أمره ونهيه ما استطاع، لا بحسب أداء حقه، فهو جهد المقل وهو يفزع لرحمة الله مما يحيط به من هلاك .

   ويفيد العبد التائب تذكره للشيطان الحاض على المعصية، من أجل كمال الاحتراز منه واليقظة، فهو يريده كافرا بالله وبدينه ولقائه ، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله ، ثم إن لم يفلح دخل من عَقَبَة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله، ثم إن لم ينجح دخل من باب الكبائر وتزيينها فيقول له : “لا يضر مع التوحيد ذنب، كما لا ينفع مع الشرك حسنة” وهي تعادي صريح السنة ، والبدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها، حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين ، يقول تعالى :”ومن لم يجعل الله له نورا فما له ن نور” .

وهناك عقبة الصغائر واستسهالها، ولا يزال الشيطان يهون على العبد أمرها حتى يصر عليها فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه . يقول صلى الله عليه وسلم : “إياكم ومحقرات الذنوب”وهو ينهي حديثه الشريف بأنها كأعواد الحطب تجتمع على العبد حتى تهلكه .

وهناك عقبة المباحات، التي لا حرج على فاعلها، وهي تشغل عن الاستكثار من الطاعات وتطمع بترك السنن وتلهي عن الواجبات.

وإن لم يفلح الشيطان في كل ما سبق فإنه يسلط جنده على المؤمن باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وأغرى السفهاء به، وتسمى مجابهة المؤمن لهذا الابتلاء بعبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر ، يقول الحق {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة } فسمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما يراغم به عدو الله وعدوه ، ويقول سبحانه “ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح . إن الله لا يضيع أجر المحسنين ” ..

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الفطرة تأبى القبائح

 ومن أسرار التوبة أن يرى التائب قبح ما نهى الله عنه، وحسن ما أمر به، وقد فطر عباده على الخير واستقباح ضده، فهم كمن يميز بين النتن والعطر، والحلو والحامض، يفرقون بين الطيب والخبيث والنافع والضار . يقول تعالى : “قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن” ومن الفواحش طواف الجاهليين بالبيت الحرام عراة بإشراف قريش، وقولهم أنهم وجدوا آباءهم يفعلون ذلك، وهؤلاء فطرهم لا تميز الحق من الباطل . وكلمة “يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر” تعني أنه معروف لأصحاب العقول الصحيحة ومنكر لأصحاب الفطر والعقول السوية أيضا.

والله لا يحاسب المتقين كالفجار، وهو يقول “أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار” وأخبر سبحانه وتعالى عن الكافرين أنهم صم بكم عمي وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل ، ولهذا سيعترفون في النار بأنهم لو عادوا لأسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم . “وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير” .

وكذا يحذر الله من المرائين، فقلوبهم كصفوان عليه تراب أصابه وابل فتركه صلدا، أي أن قلب المرائي كحجر أملس تعلق به أثر عمله المرائي فأصابه مطر فلم ينبت شيئا . أما مثل من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله كجنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، وإن لم يصبها وابل فطل، أي أصحاب الإيمان والإخلاص الأقل فهم قلوبهم كجنة عالية طاف بها مطر خفيف .

ويقول تعالى “إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر. وإن تشكروا يرضه لكم” فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره ، وأحدهما محبوب له مرضي، والآخر مبغوض له مسخوط . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال، وكثرة السؤال. وإضاعة المال”

وتأمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ” :”اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك”

والعبادة بالجوارح فحسب كثيرة المؤنة قليلة الفائدة، والمطلوب متابعتها بالإخلاص للمعبود. وأحب العباد إلى الله من يستكثرون من الصالحات مع مراقبة لها ، وفي الحديث القدسي: “ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع وبي يبصر وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه “

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#التوبة النصوح من جميع الذنوب يُدخل الجنة

قال تعالى : { ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير(8) } التحريم

قال الشيخ أبو بكر الجزائري في تفسير الآية الكريمة:

هذا هو النداء الثاني الذي يُنادي فيه الله تعالى عباده المؤمنين - أي: في سورة التحريم - يأمرُهم فيه بالتوبة العاجلة النَّصوح التي لا يعود صاحبها إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ويُبشِّرهم ويَعدهم بتكفير سيئاتهم، ويُبشِّرهم بالجنة دار النعيم المقيم فيقول: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ (عسى) من الله واجبة، ويشهد لهذا قول النبي: (التائب من الذنب كمَن لا ذنب له). ؛ أي: بعد ذلك ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ [التحريم: 8]؛ أي: بإدخالهم الجنَّة ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [التحريم: 8]؛ أي: وهم مُجتازون الصراط يَسألون ربهم أن يُبقي لهم نورهم لا يقطعه عنهم؛ حتى يَجتازوا الصراط وينجوا من السقوط في جهنَّم، كما يسألونه أن يغفر ذنوبهم التي قد يردون بها إلى النار بعد اجتياز الصراط، وقولهم: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8] هذا توسُّل منهم لقبول دعائهم؛ حيث توسَّلوا بصفة القوة والقدرة لله تعالى، فقالوا: إنك على كل شيء قدير؛ فأتمِم لنا نورنا واغفر لنا

والتوبة من الذنوب بالرجوع إلى علام الغيوب وغفار الذنوب: مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول أقدام المُريدين، ومِفتاح استقامة المائلين، ومطلَع الاصطِفاء والاجتباء للمُقرَّبين، ومنزل التوبة أول المَنازل وأوسطها وآخرها، فلا يُفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى المَمات، وإن ارتحلَ إلى منزل آخر ارتحل به واستصحَبه معه ونزَل به، فالتوبة هي بداية الطريق ونهايته، وقد قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: 31]، وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم، ثم علَّق الفلاح بالتوبة وأتى بكلمة (لعل)؛ إيذانًا بأنكم إذا تُبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاحَ إلا التائبون، جعلنا الله منهم، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]، فقسم الله تعالى العباد إلى تائب وظالم، وليس ثم قسم ثالث، وأوقع اسم الظلم على من لم يتب، ولا أظلم منه؛ لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات عمله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فوالله إني لأتوب إلى الله - عز وجل - في اليوم مائة مرة)

، وهو أعلم الخلق بالله عز وجل، والتوبة هي رجوع العبد إلى الله، ومفارقتُه لصراط المغضوب عليهم والضالين.

#إذا تاب العبد من الذنب، هل يَرجِعُ إلى ما كان عليه قبل الذنب ؟

إذا تاب العبد من الذنب، هل يَرجِعُ إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطَّه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟ : قالت طائفة: يرجع إلى درجته؛ لأن التوبة تجبُّ الذنب بالكليَّة وتُصيِّره كأن لم يكن.

وقالت أخرى: لا يعود إلى درجته وحاله؛ لأنه لم يكن في وقوف؛ وإنما كان في صعود، فبالذنب صار في هبوط، فإذا تاب نقص منه ذلك القدر الذي كان مستعدًّا به للترقي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والصحيح أن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إلى أعلى فيصير خيرًا مما كان عليه قبل الذنب، وكان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة التوبة النصوح :قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8]، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليَتوب مُسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# ومِن اتهام التوبة ، وعلامة قبولها :

قال احمد فريد :

1 - ضعف العزيمة والْتِفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة وتذكُّر حلاوته.

2 - طمأنينته ووثوقه مِن نفسِه بأنه قد تاب الله عليه كأنه أُعطي منشورًا بالأمان، فهذا من علامات التُّهمة.

3 - ومنها جمود العينين واستمرار الغفلة، وألا يستحدث أعمالاً صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.

ومن علامات صحة التوبة :

1 - أن يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.

2 - ألا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، فهناك يزول خوفُه.

3 - انخلاع قلبه وتقطُّعه ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها.

4 - كسرة خاصة تَحصُل للقلب لا يُشبِهها شيء، ولا تكون لغير المُذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرَّد، وإنما هي على أمر وراء هذا كله، تكسر القلب بين يدي الرب كسرة عامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقتْه بين يدي ربِّه طريحًا ذليلاً خاشعًا، وما أحلى قول القائل في هذه الحال: "أسألك بعزِّك وذلِّي إلا رحمتَني، أسألك بقوتك وضعفي وبغِناك وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي رب سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المِسكين، وأبتهِل إليك ابتِهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبتُه، ورَغِمَ لك أنفُه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبه".

يا مَن  ألوذ  به  فيما  أؤمِّلُه  *********** ومَن  أعوذ  به مما  أُحاذِرُه

لا يَجبُر الناسُ عظمًا أنت كاسرُه ********ولا يَهيضون عظمًا أنت جابرُه

فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمَن لم يجد ذلك في قلبه، فليتَّهم توبتَه وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلَها باللسان والدعوى!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

وجميع ما يتوب العبد منه سواء كان فعلاً أو تركًا، قد لا يكون كان عالمًا بأنه يَنبغي التوبة منه، وقد يكون كان عالمًا بذلك؛ فإن الإنسان كثيرًا ما يكون غير عالم بوجوب الشيء أو قبحِه، ثم يتبيَّن له فيما بعد وجوبه أو قبحُه، ويتركه أو يفعله لضعف المُقتضي لفعل الواجب، أو قوة المُقتضي لفعل القبيح، لكن لا يَكاد يقع إلا مع ضعف العلم بوجوبه أو قبحِه، وإلا فإذا كمل العلم استلزم الإرادة الجازمة في الطرفين؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 17]

والمؤمن لا يزال يَخرج من الظلمات إلى النور ويزداد هدى فيتجدَّد له من العلم والإيمان ما لم يكن قبل ذلك، فيتوب مما تركه وفعَله، والتوبة تَصقل القلب وتجليه مما عرَض له مِن رين القلوب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا أذنب نُكتت له في قلبه نكتة سوداء؛ فإن تاب ونزع واستغفر صُقل قلبُه، وإن زاد زِيدَ فيها حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14])

، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# أمرالله عباد العجل بالتوبة فلما تابوا تاب الله عليهم

قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم(54) } البقرة

قال ابن كثيرفي تفسيره  :

    هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع  { فتوبوا إلى بارئكم} أي إلى خالقكم. وفي قوله ههنا { إلى بارئكم} تنبيه على عظم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره، قال ابن جرير بسنده عن ابن عباس: أمر قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم قال: وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم

وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كلُّ من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال السدي: في قوله { فاقتلوا أنفسكم} قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل ربنا البقية الباقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه فذلك قوله: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} وقال ابن إسحاق: لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نصبر لأمر اللّه، فأمر موسى من لم يكن عَبَد العجل أن يقتل من عبده، فجعلوا يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم فتاب اللّه عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.

وقال عبد الرحمن بن زيد: لمّا رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى ما من توبة؟ قال: بلى { اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم} الآية، فاخترطوا السيوف والخناجر والسكاكين، قال: وبعث عليهم ضبابة فجعلوا يتلامسون بالأيدي ويقتل بعضهم بعضاً، ويلقي الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: ويتنادون فيها رحم اللّه عبداً صبر نفسه حتى يبلغ اللّه رضاه، قال فقتلاهم شهداء وتيب على أحيائهم ثم قرأ: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} .

وقال الطبري في تفسيره :

قَوْله تَعَالَى ::{ يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ .} وَظُلْمهمْ إيَّاهَا كَانَ فِعْلهمْ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِهَا مِمَّا أَوَجَبَ لَهُمْ الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَكَذَلِكَ كُلّ فَاعِلٍ فِعْلًا يَسْتَوْجِب بِهِ الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ بِإِيجَابِهِ الْعُقُوبَة لَهَا مِنْ اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ الْفِعْل الَّذِي فَعَلُوهُ فَظَلَمُوا بِهِ أَنْفُسهمْ , هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ ارْتِدَادهمْ بِاِتِّخَاذِهِمْ الْعِجْل رَبًّا بَعْد فِرَاق مُوسَى إيَّاهُمْ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ ذَنْبهمْ وَالْإِنَابَة إلَى اللَّه مِنْ رِدَّتهمْ بِالتَّوْبَةِ إلَيْهِ , وَالتَّسْلِيم لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَوْبَتهمْ مِنْ الذَّنْب الَّذِي رَكَبُوهُ قَتْلهمْ أَنْفُسهمْ . ومَعْنَى التَّوْبَة : الْأَوْبَة مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه إلَى مَا يَرْضَاهُ مِنْ طَاعَته . فَاسْتَجَابَ الْقَوْم لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ التَّوْبَة مِمَّا رَكَبُوا مِنْ ذُنُوبهمْ إلَى رَبّهمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ .

وقال القرطبي في تفسيره :

لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم قالوا كيف؟ قال { فاقتلوا أنفسكم} قال أرباب الخواطر ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل : إماتة الحركة وقتلت الخمر : كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عينه التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري : لما قيل لهم { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم : كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا من عبدالعجل. ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو أتقاه. بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم من قتل  ، وأقبل الرجل يقتل من يليه ذكره النحاس وغيره       وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع   إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# الله يحب التوابين ويحب المتطهرين

قال تعالى : { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين(222) } البقرة

قال ابن كثير : قوله : ( من حيث أمركم الله ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : يعني الفرج ; قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يقول في الفرج ولا تعدوه إلى غيره ، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى .

وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي : أن تعتزلوهن . وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر

وقال الفخر:

اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة، فنقول:

 إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه، بل من يقول: إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى الجماع، أما من يفسر المحيض بالحيض، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق. اهـ.

واعلم أن قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} أي ولا تجامعوهن، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} ويمكن أيضًا حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله: {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} نهيًا عن المباشرة في موضع الدم وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} يكون نهيًا عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله تعالى: {حتى يطهرن}:

قريءبالتخفيف من الطهارة، وهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها، وذلك إذا انقطع الحيض، فالمعنى: لا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم، وقريء بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم

المسألة الثانية مجامعة الزوج زوجته بعد غسلها من الحيض:

أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. اهـ.

وقال السعدي : يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض، كما كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟.

فأخبر تعالى أن الحيض أذى، وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال:{ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } أي: مكان الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها، في غير الوطء في الفرج جائز.

لكن قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة، ينبغي تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض، أمرها أن تتزر، فيباشرها.

وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض { حَتَّى يَطْهُرْنَ } أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم، زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان، انقطاع الدم، والاغتسال منه.

فلما انقطع الدم، زال الشرط الأول وبقي الثاني، فلهذا قال: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } أي: اغتسلن { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } أي: في القبل لا في الدبر، لأنه محل الحرث.

وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم، شرط لصحته.

ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } أي: من ذنوبهم على الدوام { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.

ففيه مشروعية الطهارة مطلقا، لأن الله يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقا، شرطا لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة.

{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه الولد.

وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر، لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك، ولعن فاعله..

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

   #من تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا

قال تعالى : { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا(71) }

  قال الطبرى في تفسيره : ومن تاب من المشركين فامن بالله ورسوله وعمل صالحا يقول وعمل بما امره الله فاطاعه فان الله فاعل به من ابداله سيئ اعماله في الشرك بحسنها في الاسلام مثل الذي فعل من ذلك بمن تاب وامن وعمل صالحا قبل نـزول هذه الايه من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال اهل التاويل

وقال ابن كثير : قال تعالى مخبرا عن عموم رحمته بعباده وانه من تاب اليه منهم تاب عليه من اي ذنب كان جليل او حقير كبير او صغير فقال {ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب الى الله متابا } اي فان الله يقبل توبته كما قال تعالى {ومن يعمل سوءا او يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } النساء 110 وقال {الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات وان الله هو التواب الرحيم } التوبه 104 وقال {قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمه الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم الزمر}  اي لمن تاب اليه

وقال القرطبى : لا يقال من قام فانه يقوم ; فكيف قال {من تاب فانه يتوب } فقال ابن عباس المعنى من امن من اهل مكه وهاجر ولم يكن قَتَلَ وزنى بل عمل صالحا وادى الفرائض فانه يتوب الى الله متابا ; اي فاني قدمتهم وفضلتهم على من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم واستحل المحارم

وقال القفال : يحتمل ان تكون الآيه الاولى فيمن تاب من المشركين ولهذا قال الا من تاب وامن ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين ايضا ، وقيل: اي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله فليست تلك التوبه نافعه ; بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالاعمال الصالحه فهو الذي تاب الى الله متابا اي تاب حق التوبه وهي النصوح ولذا اكد بالمصدر ف " متابا " مصدر معناه التاكيد كقوله وكلم الله موسى تكليما اي فانه يتوب الى الله حقا فيقبل الله توبته حقا

 وقال طنطاوي : اى ومن تاب عن المعاصى تركا تاما وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما فاته منه فانه فى هذه الحاله يكون قد تاب ورجع الى الله تعالى رجوعا صحيحا مقبولا منه سبحانه بحيث يترتب عليه محو العقاب واثبات الثواب وهكذا نجد رحمه الله تعالى تحيط بالعبد من كل جوانبه لكى تحمله على ولوج باب التوبه والطاعه وتوصد فى وجهه باب الفسوق والعصيان

وقال تعالى : { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير }

    قال البغوى : قال الفراء " ثم " هنا بمعنى الواو اي وتوبوا اليه لان الاستغفار هو التوبه والتوبه هي الاستغفار وقيل ان استغفروا ربكم من المعاصي ثم توبوا اليه في المستانف يمتعكم متاعا حسنا يعيشكم عيشا حسنا في خفض ودعه وامن وسعه

قال بعضهم العيش الحسن هو الرضا بالميسور والصبر على المقدور الى اجل مسمى الى حين الموت ويوت كل ذي فضل فضله اي ويوت كل ذي عمل صالح في الدنيا اجره وثوابه في الاخره

وقال ابو العاليه من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الاخره في الجنه لان الدرجات تكون بالاعمال وقال ابن عباس من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنه ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار ومن استوت حسناته وسيئاته كان من اصحاب الاعراف ثم يدخل الجنه بعد وقيل يوت كل ذي فضل فضله يعني من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته وان تولوا واعرضوا فاني اخاف عليكم عذاب يوم كبير وهو يوم القيامه

   وقال ابن كثير : اي وامركم بالاستغفار من الذنوب السالفه والتوبه منها الى الله عز وجل فيما تستقبلونه وان تستمروا على ذلك يمتعكم متاعا حسنا اي في الدنيا الى اجل مسمى ويوت كل ذي فضل فضله اي في الدار الاخره قاله قتاده كقوله {من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مومن فلنحيينه حياه طيبه ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون } وقد جاء في الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد " وانك لن تنفق نفقه تبتغي بها وجه الله الا اجرت بها حتى ما تجعل في في امراتك "

وقال ابن جرير حدثت عن المسيب بن شريك عن ابي بكر عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود في قوله {ويوت كل ذي فضل فضله} قال من عمل سيئه كتبت عليه سيئه ومن عمل حسنه كتبت له عشر حسنات فان عوقب بالسيئه التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وان لم يعاقب بها في الدنيا اخذ من الحسنات العشر واحده وبقيت له تسع حسنات ثم يقول هلك من غلب احاده اعشاره وقوله {وان تولوا فاني اخاف عليكم عذاب يوم كبير } هذا تهديد شديد لمن تولى عن اوامر الله تعالى وكذب رسله فان العذاب يناله يوم معاده لا محاله

    وقال الشنقيطي : هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعا حسنا إلى أجل مسمى ; لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه .

والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن : سعة الرزق ، ورغد العيش ، والعافية في الدنيا ، وأن المراد بالأجل المسمى : الموت ، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ، وقوله تعالى عن  نوح  {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } وقوله تعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية  ، وقوله { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } الآية ، وقوله  {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }، وقوله : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، إلى غير ذلك من الآيات .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الله يريد أن يتوب على عباده

قال تعالى : {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا  }

   قال الطبرى : يعني بذلك تعالى ذكره والله يريد ان يراجع بكم طاعته والانابه اليه ليعفو لكم عما سلف من اثامكم ويتجاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم من استحلالكم ما هو حرام عليكم من نكاح حلائل ابائكم وابنائكم وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتاتونه مما كان غير جائز لكم اتيانه من معاصي الله       

وقال البغوى : والله يريد ان يتوب عليكم ان وقع منكم تقصير في امر دينه ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا عن الحق ميلا عظيما باتيانكم ما حرم عليكم واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات قال السدي هم اليهود والنصارى وقال بعضهم هم المجوس لانهم يحلون نكاح الاخوات وبنات الاخ والاخت وقال مجاهد هم الزناه يريدون ان تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون وقيل هم جميع اهل الباطل

  وقال ابن كثير : اي يريد اتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناه ان تميلوا يعني عن الحق الى الباطل ميلا عظيما

   وقال ابن عاشور : والمقصد من التعرض لارادة الذين يتبعون الشهوات تنبيه المسلمين الى دخائل اعدائهم ليعلموا الفرق بين مراد الله من الخلق ومراد اعوان الشياطين وهم الذين يتبعون الشهوات ولذلك قدم المسند اليه على الخبر الفعلي في قوله {والله يريد ان يتوب عليكم } ليدل على التخصيص الاضافي اي الله وحده هو الذي يريد ان يتوب عليكم اي يحرضكم على التوبه والاقلاع عن المعاصي واما الذين يتبعون الشهوات فيريدون انصرافكم عن الحق وميلكم عنه الى المعاصي واطلاق الاراده على رغبه اصحاب الشهوات في ميل المسلمين عن الحق لمشاكلة         { يريد الله ليبين لكم }  والمقصود ويحب الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ولما كانت رغبتهم في ميل المسلمين عن الحق رغبه لا تخلو عن سعيهم لحصول ذلك اشبهت رغبتهم ارادة المريد للفعل ونظيره قوله تعالى بعد هذه الايه {يشترون الضلاله ويريدون ان تضلوا السبيل } وحذف متعلق تميلوا لظهوره من قرينة المقام واراد بالذين يتبعون الشهوات الذين تغلبهم شهواتهم على مخالفة ما شرعه الله لهم من الذين لا دين لهم وهم الذين لا ينظرون في عواقب الذنوب ومفاسدها وعقوبتها ولكنهم يرضون شهواتهم الداعية اليها وفي ذكر هذه الصله هنا تشنيع لحالهم ففي الموصول ايماء الى تعليل الخبر والمراد بهم المشركون ارادوا ان يتبعهم المسلمون في نكاح ازواج الاباء واليهود ارادوا ان يتبعوهم في نكاح الاخوات من الاب ونكاح العمات والجمع بين الاختين والميل العظيم هو البعد عن احكام الشرع والطعن فيها فكان المشركون يحببون للمسلمين الزنى ويعرضون عليهم البغايا وكان المجوس يطعنون في تحريم ابنة الاخ وابنة الاخت ويقولون لماذا احل دينكم ابنة العمة وابنة الخالة وكان اليهود يقولون لا تحرم الاخت التي للاب ولا تحرم العمة ولا الخالة ولا العم ولا الخال وعبر عن جميع ذلك بالشهوات لان مجيء الاسلام قد بين انتهاء اباحة ما ابيح في الشرائع الاخرى بله ما كان حراما في الشرائع كلها

 وتساهل فيه اهل الشرك

وقال طنطاوي :  اخبر سبحانه عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال تعالى {والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما} اى والله تعالى يريد منكم ان تفعلوا ما يجعلكم اهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم الى قبول توبتكم وارتفاع منزلتكم عنده بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من اهل الكفر والفسوق والعصيان ان تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما والميل اصله الانحراف من الوسط الى جانب من الجوانب ولما كان الاعتدال عباره عن العدل والتوسط اطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق ووصف الميل بالعظيم للاشعار بان الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق وانما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذي امر الله بسلوكه والسير فيه وهولاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون في كل زمان وتراهم دائما يحملون لواء الرذيله والفجور تاره باسم الحريه وتاره باسم المدنيه وقد حذر الله تعالى عباده منهم حتى لا يتاثروا بهم وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم ويابى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 الله يتوب على من يشاء

قال تعالى :{ ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم }

قال الطبرى : يقول الله تعالى ذكره ويذهب وجد قلوب هولاء القوم المومنين من خزاعه  على هولاء القوم الذين نكثوا ايمانهم من المشركين ، وغمها ، وكربها بما فيها من الوجد عليهم بمعونتهم بكرا عليهم عن السدي : ويذهب غيظ قلوبهم حين قتلهم بنو بكر واعانتهم قريش

وورد في التفسير الميسر : يا معشر المؤمنين قاتلوا أعداء الله يعذبهم عز وجل بأيديكم، ويذلهم بالهزيمة والخزي، وينصركم عليهم، ويُعْلِ كلمته، ويشف بهزيمتهم صدوركم التي طالما لحق بها الحزن والغم من كيد هؤلاء المشركين، ويُذْهِب عن قلوب المؤمنين الغيظ. ومن تاب من هؤلاء المعاندين فإن الله يتوب على من يشاء. والله عليم بصدق توبة التائب، حكيم في تدبيره وصنعه ووَضْع تشريعاته لعباده.

    وقال طنطاوي : قوله تعالى {ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم }كلام مستانف لبيان شمول قدرة الله تعالى وواسع رحمته وبالغ حكمته اى ويتوب الله على من يشاء ان يتوب عليه من عباده فيوفقه للايمان ويشرح صدره للاسلام والله تعالى عليم بسائر شئون خلقه حكيم فى كل اقواله وافعاله وسائر تصرفاته فامتثلوا امره واجتنبوا نهيه لتنالوا السعادة فى دنياكم واخرتكم ؛ قال الامام الرازى : ما ملخصه وهذه الايه تدل على كون الصحابه مومنين فى علم الله تعالى ايمانا حقيقيا لانها تدل على ان قلوبهم كانت مملوءه بالغضب وبالحميه من اجل الدين ومن اجل الرغبه الشديده فى علو دين الاسلام وهذه الاحوال لا تحصل الا فى قلوب المومنين الصادقين كما تدل على انها من المعجزات لانه تعالى اخبر عن حصول هذه الاحوال وقد وقعت كما اخبر فقد انتصر المومنون واسلم من المشركين اناس كثيرون فيكون ذلك اخبار عن الغيب والاخبار عن الغيب معجزة

    وقال البغوى : ويذهب غيظ قلوبهم كربها ووجدها بمعونه قريش بكرا عليهم ثم قال مستانفا ويتوب الله على من يشاء فيهديه الى الاسلام كما فعل بابي سفيان وعكرمه بن ابي جهل وسهيل بن عمرو والله عليم حكيم وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكه " ارفعوا السيف الا خزاعه من بني بكر الى العصر "

    وقال القرطبى : قوله تعالى {ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} القراءة بالرفع على الاستئناف لانه ليس من جنس الاول ولهذا لم يقل " ويتب " بالجزم لان القتال غير موجب لهم التوبه من الله جل وعز وهو موجب لهم العذاب والخزي وشفاء صدور المومنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره { فان يشا الله يختم على قلبك } تم الكلام ثم قال {ويمح الله الباطل } والذين تاب الله عليهم مثل ابي سفيان وعكرمه بن ابي جهل وسليم بن ابي عمرو فانهم اسلموا وقرا ابن ابي اسحاق ويتوب بالنصب وكذا روي عن عيسى الثقفي والاعرج وعليه فتكون التوبه داخله في جواب الشرط لان المعنى ان تقاتلوهم يعذبهم الله وكذلك ما عطف عليه ثم قال ويتوب الله اي ان تقاتلوهم فجمع بين تعذيبهم بايديكم وشفاء صدوركم واذهاب غيظ قلوبكم والتوبه عليكم والرفع احسن لان التوبه لا يكون سببها القتال اذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله ان يتوب عليه في كل حال

#وقال تعالى : { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم }

   قال ابن عاشور : ثم للتراخي الرتبي ، عطف على جملة {ثم أنزل الله سكينته على رسوله} إلى قوله { وذلك جزاء الكافرين } . وهذا إشارة إلى إسلام هوازن بعد تلك الهزيمة فإنهم جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمين تائبين ، وسألوه أن يرد إليهم سبيهم وغنائمهم ، فذلك أكبر منة في نصر المسلمين إذ أصبح الجند العدو لهم مسلمين معهم ، لا يخافونهم بعد ذلك اليوم .

والمعنى : ثم تاب الله عليهم ، أي على الذين أسلموا منهم فقوله : يتوب الله من بعد ذلك دليل المعطوف بـ ( ثم ) ولذلك أتي بالمضارع في قوله : " يتوب الله دون الفعل الماضي : لأن المقصود ما يشمل توبة هوازن وتوبة غيرهم ، للإشارة إلى إفادة تجدد التوبة على كل من تاب إلى الله لا يختص بها هوازن فتوبته على هوازن قد عرفها المسلمون ، فأعلموا بأن الله يعامل بمثل ذلك كل من ندم وتاب ، فالمعنى : ثم تاب الله عليهم ويتوب الله على من يشاء .

وجملة والله غفور رحيم تذييل للكلام لإفادة أن المغفرة من شأنه تعالى ، وأنه رحيم بعباده إن أنابوا إليه وتركوا الإشراك به .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الله له الخيرة في أن يتوب أو لا يتوب على من يشاء وفق علمه وحكمته

قال تعالى : { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون(128) } آل عمران

قال ابن حجر : باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال حميد وثابت عن أنس شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت ليس لك من الأمر شيء

أخرج البخاري بسنده من حديث سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله{ ليس لك من الأمر شيء } إلى قوله {فإنهم ظالمون } ،وعن حنظلة بن أبي سفيان سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } إلى قوله {فإنهم ظالمون}

أي بيان سبب نزول هذه الآية ، وقد ذكر في الباب سببين ، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا فإنهما كانا في قصة واحدة { وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم } التوبة

{ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) }

قال ابن كثير : ثم اعترض بجملة دلت على ان الحكم في الدنيا والاخره له وحده لا شريك له فقال {ليس لك من الامر شيء } اي بل الامر كله الي كما قال {فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب } الرعد 40 وقال {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} البقره 272 وقال { انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء } القصص 56  ، قال محمد بن اسحاق في قوله { ليس لك من الامر شيء} اي ليس لك من الحكم شيء في عبادي الا ما امرتك به فيهم ثم ذكر تعالى بقية الاقسام فقال  او يتوب عليهم اي مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلاله او يعذبهم اي في الدنيا والاخره على كفرهم وذنوبهم ولهذا قال فانهم ظالمون اي يستحقون ذلك

وقال السعدي :وفي هذه الآية مما يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن الرسول ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له , ويدعون من لا يملك من الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد،

وتأمل كيف لما ذكر تعالى توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة،

ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة للسببية، فقال {أو يعذبهم فإنهم ظالمون} ليدل ذلك على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل العبد هو الذي ظلم نفسه

    وقال ابن عاشور : هذا تذكير بما كان للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوف ظهور المشركين عليه والحاحه في الدعاء بالنصر ولعل النبيء صلى الله عليه وسلم كان يود استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكه لاهلاكهم فذكره الله بذلك انه لم يقدر استيصالهم جميعا بل جعل الانتقام منهم الوانا فانتقم من طائفه بقطع طرف منهم ومن بقيتهم بالكبت وهو الحزن على قتلاهم وذهاب روسائهم واختلال امورهم واستبقى طائفه ليتوب عليهم ويهديهم  فيكونوا قوة  للمسلمين فيومنوا بعد ذلك  وهم من آمن من اهل مكه قبل الفتح ويوم الفتح مثل : ابي سفيان والحارث بن هشام اخي ابي جهل وعكرمه بن ابي جهل وصفوان بن اميه وخالد بن الوليد ، وعذب طائفه عذاب الدنيا بالاسر او بالقتل مثل : ابن خطل والنضر بن الحارث فلذلك قيل له ليس لك من الامر شيء ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر ان المراد من الامر هو الامر الدائر بين هذه الاحوال الاربعة من احوال المشركين اي ليس لك من امر هذه الاحوال الاربعة شيء ولكنه موكول الى الله هو اعلم بما سيصيرون اليه وجعل هذه الجمله قبل قوله او يتوب عليهم استئناس للنبي صلى الله عليه وسلم اذ قدم ما يدل على الانتقام منهم لاجله ثم اردف بما يدل على العفو عنهم ثم اردف بما يدل على عقابهم ففي بعض هذه الاحوال ارضاء له من جانب الانتصار له وفي بعضها ارضاء له من جانب تطويعهم له ووقع في صحيح مسلم عن انس بن مالك ان النبيء صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته يوم احد وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيهم فقال النبيء عليه السلام " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى ربهم " اي في حال انه يدعوهم الى الخير عند ربهم فنزلت الايه ومعناه لا تستبعد فلاحهم ولا شك ان قوله فنزلت هذه الايه متاول على اراده فذكر النبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الايه لظهور ان ما ذكروه غير صالح لان يكون سببا لان النبيء تعجب من فلاحهم او استبعده ولم يدع لنفسه شيئا او عملا حتى يقال ليس لك من الامر شيء

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والاربعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# من خلط عملاً صالحاً بآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليه

قال تعالى : { وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

      قال الطبرى : يقول تعالى ذكره ومن اهل المدينه منافقون مردوا على النفاق ومنهم "اخرون اعترفوا بذنوبهم " يقول اقروا بذنوبهم {خلطوا عملا صالحا }يعني جل ثناوه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها والاخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيا وتركهم الجهاد مع المسلمين

وقال ابن كثير : لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا شرع في بيان حال المذنبين الذين تاخروا عن الجهاد كسلا وميلا الى الراحة مع ايمانهم وتصديقهم بالحق فقال {واخرون اعترفوا بذنوبهم } اي اقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ولهم اعمال اخر صالحة خلطوا هذه بتلك فهولاء تحت عفو الله وغفرانه وهذه الآية وان كانت نزلت في اناس معينين الا انها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلطين المتلوثين وقد قال مجاهد انها نزلت في ابي لبابة لما قال لبني قريظه انه الذبح واشار بيده الى حلقه وقال ابن عباس واخرون نزلت في ابي لبابه وجماعة من اصحابه تخلفوا عن غزوه تبوك فقال بعضهم ابو لبابه وخمسة معه وقيل وسبعة معه وقيل وتسعة معه فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا انفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انزل الله هذه الايه {واخرون اعترفوا بذنوبهم } اطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم

واخرج البخاري بسنده من حديث سمره بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا " اتاني الليله اتيان فابتعثاني فانتهينا الى مدينه مبنيه بلبن ذهب ولبن فضه فتلقانا رجال شطر من خلقهم كاحسن ما انت راء وشطر كاقبح ما انت راء قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا الينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في احسن صوره قالا لي هذه جنه عدن وهذا منزلك قالا اما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فانهم خلطوا عملا صالحا واخر سيئا فتجاوز الله عنهم

    وقال ابن عاشور : الاظهر ان جملة {وءاخرون اعترفوا }عطف على جمله {وممن حولكم } اي وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينه اخرون اذنبوا بالتخلف فاعترفوا بذنوبهم بالتقصير فقوله ايجاز لانه يدل على انهم اذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لان التعبير بالذنوب بصيغه الجمع يقتضي انها اعمال سيئه في حالة الايمان وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيىء وكان من هولاء جماعه منهم الجد بن قيس وكردم وارس بن ثعلبه ووديعه بن حزام ومرداس وابو قيس وابو لبابه في عشره نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوه تبوك وتابوا الى الله وربطوا انفسهم في سوارى المسجد النبوي اياما حتى نزلت هذه الايه في توبة الله عليهم والاعتراف افتعال من عرف وهو للمبالغه في المعرفه ولذلك صار بمعنى الاقرار بالشيء وترك انكاره فالاعتراف بالذنب كنايه عن التوبه منه لان الاقرار بالذنب الفائت انما يكون عند الندم والعزم على عدم العود اليه ولا يتصور فيه الاقلاع الذي هو من اركان التوبه لانه ذنب مضى ولكن يشترط فيه العزم على ان لا يعود وخلطهم العمل الصالح والسيىء هو خلطهم حسنات اعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الانفاق على الجيش وقوله خلطوا عملا صالحا واخر سيئا جاء ذكر الشيئين المختلطين بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما ويقال خلط كذا بكذا على اعتبار احد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط والتركيبان متساويان في المعنى ولكن العطف بالواو اوضح واحسن فهو افصح وعسى فعل رجاء وهي من كلام الله تعالى المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فهي كنايه عن وقوع المرجو وان الله قد تاب عليهم ولكن ذكر فعل الرجاء يستتبع معنى اختيار المتكلم في وقوع الشيء وعدم وقوعه ومعنى ان يتوب عليهم اي يقبل توبتهم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه

قال تعالى :{ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم  }

    قال المنجد :

 أولاً : التوبة : هي الرجوع إلى الله تعالى ، والندم على ما سلف من الذنوب ، والإقلاع عن المعاصي ،  الصحيح الصادق على ألا يعاود الذنب في المستقبل .

قال ابن القيم رحمه الله : " حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ : هِيَ النَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ فِي الْمَاضِي ، وَالْإِقْلَاعُ عَنْهُ فِي الْحَالِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : " التوبة هي: التخلي والرجوع عن الذنوب والمعاصي من فعل محرم أو ترك واجب "

وإذا كانت هذه هي التوبة فلا يمكن أن يُتصور إنسان تاب ولم يعمل صالحا ، لأنه إن كانت معصيته بترك واجب ، كترك صلاة أو زكاة أو صيام فتوبته بفعل ذلك الواجب والمحافظة عليه ، وذلك عمل صالح ، وإن كانت معصيته بفعل محرم كالزنا والربا وشرب الخمر والكذب والسرقة والغش ، فتوبته بترك ذلك ، وترك المعصية خوفا من الله تعالى عمل صالح .

ولذلك تعرف التوبة بأنها : " الرجوع من معصية الله إلى طاعته " .

ثانياً : لابد للتائب من أن يعمل صالحا بعد توبته ؛ إلا أن بعض الناس قد يقتصر في عمله الصالحات بما يختص بالذنب التائب منه فقط ، وبعض الناس يزيد من العمل الصالح كالصدقة والصيام والصلاة ... إلخ . ليكون ذلك تكميلا لتوبته .

    وقد قرن الله تعالى التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ، فقال عز وجل :( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) .وقال عز وجل : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) . وقال سبحانه : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) . وقال سبحانه : ( فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) . وقال تعالى : ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

قال ابن عطية رحمه الله :" المعنى عند جمهور أهل العلم : أن من تابَ من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله ، وَأَصْلَحَ أيضا في سائر أعماله وارتفع إلى فوق : (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى "

وقال القرطبي  :" وَلَا يَكْفِي فِي التَّوْبَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا قَوْلُ الْقَائِلِ : قَدْ تُبْتُ ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ فِي الثَّانِي خِلَافُ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ مُظْهِرًا شَرَائِعَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي ظَهَرَ مِنْهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَجَانَبَ أَهْلَ الْفَسَادِ وَالْأَحْوَالَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ جَانَبَهُمْ وَخَالَطَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَهَكَذَا يَظْهَرُ عَكْسَ مَا كَانَ عَلَيْهِ "

وقال ابن القيم رحمه الله :" وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّمَا يُفَسِّرُ التَّوْبَةَ بِالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَ الذَّنْبَ ، وَبِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ فِي الْحَالِ، وَبِالنَّدَمِ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ رَابِعٍ ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ مِنْهُ.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ بَعْضُ مُسَمَّى التَّوْبَةِ بَلْ شَرْطُهَا، وَإِلَّا فَالتَّوْبَةُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - كَمَا تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ - تَتَضَمَّنُ الْعَزْمَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالْتِزَامِهِ فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ تَائِبًا، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْعَزْمُ الْجَازِمُ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَالْإِتْيَانِ بِهِ، هَذَا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ ، وَهِيَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ ، لَكِنَّهَا إِذَا قُرِنَتْ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَتْ عِبَارَةً عَمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِذَا أُفْرِدَتْ تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَيْنِ .

ثالثا : أما وقت العمل الصالح الذي يكون مع التوبة ، فالعمل الصالح المتعلق بالمعصية التي تاب منها ، كالمحافظة على الواجبات ورد المظالم إلى أهلها ، فذلك العمل جزء من التوبة لا تصح إلا به ، فلابد أن يكون مقترنا بها ، أما ما زاد على ذلك من الأعمال الصالحة فليس له وقت محدد ، وكلما أكثر التائب من عمل الصالحات كان ذلك أحسن وأكمل .   

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#التوبة والإستغفار من الأسبابُ العشرة المانعةُ من العقوبة

 ذكر تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى عشرة أسباب مانعة من العقوبة بإذن الله تعالى, وقد ذكرها في عدة مواضع من كتبه في الفتاوى وغيرها, وقد سطّرها في منهاج السنة النبوية فقال :

السبب الأول: التوبة, فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, والتوبة مقبولة من جميع الذنوب الكفر والفسوق والعصيان, قال الله تعالى: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف" وقال تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" وقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا اله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" وقال سبحانه: "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق" قال الحسن البصري رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود, فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ثم هو يدعوهم إلى التوبة.

والتوبة عامة لكل عبد مؤمن كما قال تعالى: "وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً . ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما" وقد أخبر الله في كتابه عن توبة أنبيائه ودعائهم بالتوبة كقوله عز وجل: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم" وقولِ إبراهيم وإسماعيل: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمه مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم" وقال موسى: "أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك" وقوله: "رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم" وكذلك ما ذكره في قصة داود وسليمان وغيرهما. وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فكثير مشهور, وأصحابه كانوا أفضلَ قرونِ الأمة فهم أعرف القرون بالله وأشدهم له خشية, وكانوا أقومَ الناس بالتوبة في حياته وبعد مماته.

والله سبحانه يرفع عبده بالتوبة, وإذا ابتلاه بما يتوب منه فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية, فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين, وهو يبدّلُ بالتوبة السيئاتِ حسنات, والذنبُ مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك ما لم يكن يحصل قبل ذلك, ولهذا قال طائفة من السلف: إن العبد ليفعل الذنب فيدخلَ به الجنة, ويفعل الحسنة فيدخلَ بها النار, يفعل الذنب فلا يزال نصب عينيه إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجنة, ويفعل الحسنة فيُعجب بها فيدخلَ النار. وفي الأثر: "لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من الذنب وهو العُجْب" وفي أثر آخر: "لو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه" وفي أثر آخر يقول الله تعالى: "أهل ذكرى أهلُ مُجالستي, وأهلُ شكري أهل زيادتي, وأهلُ طاعتي أهلُ كرامتي, وأهل معصيتي لا اقنّطُهم من رحمتي, إن تابوا فأنا حبيبهم, فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين, وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم, أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب" والتائبُ حبيبُ الله, سواء كان شاباًّ أو شيخاً.

السبب الثاني: الاستغفارُ, فإن الاستغفارَ هو طلب المغفرة, وهو من جنس الدعاء والسؤال, وهو مقرون بالتوبة في الغالب ومأمورٌ به, لكن قد يتوب الإنسان ولا يدعو, وقد يدعو ولا يتوب, وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي, فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب, ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب, ثم عاد فأذنب, فقال: أي رب اغفر لي ذنبي, فقال تعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي"

والتوبة تمحو جميع السيئات وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة, فإن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء, وأما التوبة فإنه قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم" وهذه لمن تاب, ولهذا قال: "لا تقنطوا من رحمة الله" وقال: بعدها: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون" وأما الاستغفار بدون التوبة فهذا لا يستلزم المغفرة, ولكن هو سبب من الأسباب.

السبب الثالث: الأعمالُ الصالحة, فإن الله تعالى يقول: "إن الحسنات يذهبن السيئات" وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل يوصيه: "يا معاذ اتق الله حيثما كنت, وأتبع السيئة الحسنة تمحها, وخالق الناس بخلق حسن" وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" أخرجاه في الصحيحين, وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال: "أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كلَّ يوم خمسَ مرات هل كان يبقى من درنه شيء" قالوا: لا, قال: "كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا كما يمحو الماء الدرن" وهذا كلّه في الصحيح وقال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" رواه الترمذي وصححه, وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفرْ لكم ذنوبَكم ويدخلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جنات عدن ذلك الفوز العظيم" وفي الصحيح: "يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين" وما رُوي أنَّ شهيد البحر يُغفر له الدَّيْنُ فإسناده ضعيف والدَّيْنُ حقٌّ لآدميٍّ فلابد من استيفائه, وفي الصحيح: "صومُ يومِ عرفةَ كفارةُ سنتين, وصومُ يومِ عاشوراء كفارة سنة"

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والخمسون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان :

#التوبة والإستغفار من الأسبابُ العشرة المانعةُ من العقوبة

السبب الرابع: دعاءُ المؤمنين له, فإن دعاءَ المؤمنين واستغفارَهم للمؤمن, كذلك صلاتَهم على الميت ودعاءَهم وشفاعتهم له من أسباب المغفرة. كذلك استغفار الملائكة له وشفاعتهم, وقد وردت بذلك عدة آيات وأحاديث.

السبب الخامس: دعاءُ النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره في حياته وبعد مماته, كشفاعته يوم القيامة, فإن رسول قد استغفر لأمته إبّان حياته, وسيشفع لمن أذن له من أمته يوم القيامة, وقد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" والشفاعة إنما تُطلب من الله, فنسألُ الله أن يشفّع فينا نبيه صلوات الله عليه وسلامه وبركاته.

السبب السادس: ما يُفعل بعد الموت من عمل صالح يُهدي له, مثلُ من يتصدّقُ عنه ويحج عنه ويصوم عنه, فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ذلك يصل إلى الميت وينفعُه, وهذا غيرُ دعاءِ ولدِه فإن ذلك من عمله وكسبه بخلاف غيره, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقةِ جارية, أو علمِ يُنتفعُ به, أو ولدٍ صالح يدعو له" رواه مسلم.

السبب السابع: المصائبُ الدنيوية التي يُكفّرُ الله بها الخطايا, كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا غمٍّ ولا همٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذى, حتى الشوكةَ يشاكُهَا؛ إلا كَفَّر الله بها من خطاياه" وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَثَلُ المؤمنِ مِثْلُ الخامةِ من الزرع تُفيئُها الرياحُ, تقوِّمُهَا تارةً, وتُميلُها أخرى, ومثل المنافق كمِثْلِ شجرة الأَرْزَةِ _وهي الصُّنَوبَر_ لا تزال ثابتةً على أصلها حتى يكونً انجعافُها مرّة واحدة" وهذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة, سألتُه أن لا يُهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها, وسألتُه أن لا يُسلّط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحَهُم فأعطانيها, وسألتُه أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لما نزل قولُهُ تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك" "أو من تحت أرجلكم" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك" "أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضَكم بأس بعض" قال: "هذا أهون وأيسر" فهذا أمر لا بد منه للأمة عموماً.

السبب الثامن: ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة والرّوعة وفتنة الملكين, وإن للقبر لضمّة لو نجا منها أحدٌ لنجا سعدُ بن معاذ.

السبب التاسع: ما يحصلُ له في الآخرة من كرب أهوال يوم القيامة, وهي شديدة جداً, وكُرَبِ القيامة لا تشبهُها كُربٌ, كالفزع والحشر وإدناء الشمس على الخلائق والعطش وجوازِ الصراط المنصوب على متن جهنّم وغير ذلك, كذلك اقتصاص الله تعالى لعباده المؤمنين من بعضهم قبل دخول الجنة, وفي الصحيحين أن المؤمنين إذا عَبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيُقتصُّ لبعضهم من بعض, فإذا هُذِّبُوا ونقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة. والله المستعان.

السبب العاشر: رَحْمَةُ اللَّهِ وَعَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ بِلَا سَبَبٍ مِنْ الْعِبَادِ. فنسأل الله الكريم من فضله ونعوذ به من سخطه وعقابه, فهذه الأسباب قد جعلها رحمة لعبادة لمنع أو تخفف عنهم العذاب.

اللهم إن رحمتك أرجى من أعمالنا, ومغفرتك أوسع من ذنوبنا, فاغفر لنا وارحمنا, إنك أنت الغفور الرحيم, وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وآله.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم

قال تعالى  : ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. 

 قال البغوي في تفسيره : اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، فقال سعيد بن جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هِيَ قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: هو قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أنت الغفور الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَوْلُهُ: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾: فَتَجَاوَزَ عَنْهُ، ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ ﴾: يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ، ﴿ الرَّحِيمُ ﴾: بخلقه.

وقال الطبري: "فتلقى آدم"، فقيل: إنه أخذ وقَبِل. وأصله التفعُّل من اللقاء، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبلَه عند قدومه من غيبته أو سفره، فكأنَّ ذلك كذلك في قوله:"فتلقى"، كأنه استقبله فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه أو أخبر به. فمعنى ذلك إذًا: فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا، فتاب الله عليه بقيله إياها، وقبوله إياها من ربه.اهـ

 وقال الشنقيطي قوله تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة «الأعراف»، بقوله: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

وقال ابن العثيمين في تفسيره للآية:

قوله تعالى: ﴿ فتاب عليه ﴾: الفاعل هو الله. يعني فتاب ربه عليه؛ و"التوبة" هي رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربه عزّ وجلّ..

قوله تعالى: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾: هذه الجملة تعليل لقوله تعالى: ﴿ فتاب عليه ﴾؛ لأن التوبة مقتضى هذين الاسمين العظيمين: ﴿ التواب الرحيم ﴾؛ و﴿ هو ﴾ ضمير فصل يفيد هنا الحصر، والتوكيد؛ و﴿ التواب ﴾ صيغة مبالغة من "تاب"؛ وذلك لكثرة التائبين، وكثرة توبة الله؛ ولذلك سمى الله نفسه "التواب"؛ و﴿ الرحيم ﴾ أي ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده..

وقال المنجد : اجتهد المفسرون في تلمس وجه الحكمة في إفراد الضمير   ( الهاء ) من قوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ، فقال عز وجل : ( فتاب عليه )، ولم يقل سبحانه :   ( فتاب عليهما )، مع أن كلا من آدم وحواء أكلا من الشجرة .

وبالتأمل والتدبر يتبين للناظر العديد من الأسباب والحكم التي يمكن من خلالها تفسير هذا التساؤل .

أولا : مَن تأمل سياق جميع الآيات الواردة في قصة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة ، يعلم أن الشخصية البارزة المقصودة في تلك القصة هو آدم عليه السلام وليس غيره ، لأنه أبو البشر وأول الأنبياء ، لذلك فأكثر الآيات تتحدث عنه عليه السلام ، وتخاطبه بشخصه ، وتذكره بضمير الغائب المفرد ، وتحكي تفاصيل أحداث قصته ، وتجعله الشخصية المركزية فيها ، وهكذا - ومن ذلك نسبة العصيان إليه وحده كما سيأتي - ، يمكنك أن تقرأ ذلك في سورة البقرة ، والأعراف ، وطه ، وغيرها ، فناسب أن تكون هذه الآية على السياق نفسه .

ثانيا :كثيرا ما يَرِدْ في نصوص الوحي في الكتاب والسنة تغليب استعمال ضمير المذكر ، ويراد به ما يشمل الإناث أيضا ، حتى قال علماء أصول الفقه : إن الأصل في خطاب الذكور بالتكاليف الشرعية أنه يشمل الإناث إلا ما ورد النص بتخصيصه . بل كثيرا ما تستعمل اللغة العربية ضمير المذكر في السياقات التي تشمل الذكور والإناث .

فالمؤنث في استعمال اللغة العربية والاستعمال الشرعي تابع للمذكر ، ولذلك لا تذكر النساء في كثير من التكاليف والأخبار الشرعية .                                                                                                 ثالثا :كما يمكننا أن نستأنس من استعمال ضمير المذكر وطي ذكر المؤنث : أن الستر أولى بالمرأة من الذِّكر ، وأن الخطاب الشرعي يدعوها دائما إلى البعد عن حديث الرجال ، خاصة في مقام الخطأ والمعصية ، لذلك طوى القرآن الكريم أيضا التصريح بنسبة المعصية إلى حواء ، واقتصر ذلك على آدم عليه السلام ، وذلك في قوله عز وجل :  ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى )

وقال الماوردي رحمه الله :" فإن قيل : فِلمَ قال : ( فَتَابَ عَلَيْهِ ) ، ولم يقُلْ : ( فتابَ علَيْهِما ) والتوبة قد توجهت إليهما ؟

قيل : عنه جوابان : أحدهما : لما ذكر آدم وحده بقوله : ( فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) ، ذكر بعده قبول توبته ، ولم يذكر توبة حوَّاء - وإن كانت مقبولة التوبة - لأنه لم يتقدم ذكرها .

والثاني : أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً ، جاز أن يذكرَ أحدهما ، ويكونَ المعنى لهما ، كما قال تعالى : ( وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) الجمعة/11، وكما قال عز وجل : ( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) التوبة/62. " انتهى من " النكت والعيون " (1/110) والله أعلم .(2)

وقال تعالى : {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}  إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى

قال تعالى : {ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ }

قال الطبرى في تفسيره : يقول اصطفاه ربه من بعد معصيته اياه فرزقه الرجوع الى ما يرضى عنه والعمل بطاعته وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه وقوله وهدى يقول وهداه للتوبه فوفقه لها

وقال البغوى في تفسيره : ثم اجتباه ربه اختاره واصطفاه فتاب عليه بالعفو وهدى هداه الى التوبه حين {قالا ربنا ظلمنا انفسنا}

    وقال ابن كثير في تفسيره : أخرج البخاري بسنده من حديث ابي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حاج موسى ادم فقال له انت الذي اخرجت الناس من الجنه بذنبك واشقيتهم قال ادم يا موسى انت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه اتلومني على امر قد كتبه الله علي قبل ان يخلقني او قدره الله علي قبل ان يخلقني " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فحج ادم موسى " وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد

  وقال القرطبى في تفسيره : فذكر ان الاجتباء والهدايه كانا بعد العصيان واذا كان هذا قبل النبوه فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا لان قبل النبوه لا شرع علينا تصديقهم فاذا بعثهم الله تعالى الى خلقه وكانوا مامونين في الاداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب وهذا نفيس والله اعلم

  وقال طنطاوي : قوله سبحانه ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى بيان لفضل الله تعالى على ادم حيث قبل توبته ورزقه المداومه عليها والاجتباء الاصطفاء والاختيار اى ثم بعد ان اكل ادم من الشجره وندم على ما فعل هو وزوجه اجتباه ربه اى اصطفاه وقربه واختاره فتاب عليه اى قبل توبته وهدى اى وهداه الى الثبات عليها والى المداومه على طاعه الله تعالى فقد اعترف هو وزوجه بخطئهما كما فى قوله تعالى { قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }      وقد اوحى الله تعالى اليه بكلمات كانت السبب فى قبول توبته كما قال سبحانه {فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم}

 وقال ابن عاشورفي التحرير : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى : جملة معترضة بين جملة {وعصى ادم } وجملة {قال اهبطا منها جميعا } لان الاجتباء والتوبه عليه كانا بعد ان عوقب ادم وزوجه بالخروج من الجنه كما في سوره البقره وهو المناسب لترتب الاخراج من الجنه على المعصيه دون ان يترتب على التوبه ؛ وفائده هذا الاعتراض التعجيل ببيان مآل ادم الى الصلاح ، والاجتباء الاصطفاء وتقدم عند قوله تعالى {واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم } وقوله{ اجتباه وهداه الى صراط مستقيم } والهدايه الارشاد الى النفع والمراد بها اذا ذكرت مع الاجتباء في القران النبوه كما في هذه الايات الثلاث

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار

قال تعالى : { لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }

روى الترمذي بسنده من حديث  عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن ابيه قال لم اتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوه غزاها حتى كانت غزوه تبوك الا بدراً ، ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم احدا تخلف عن بدر انما خرج يريد العير فخرجت قريش مغيثين لعيرهم فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى ولعمري ان اشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر وما احب اني كنت شهدتها مكان بيعتي ليله العقبه حين تواثقنا على الاسلام ثم لم اتخلف بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوه تبوك وهي اخر غزوه غزاها واذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل فذكر الحديث بطوله قال فانطلقت الى النبي صلى الله عليه وسلم فاذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستناره القمر وكان اذا سر بالامر استنار فجئت فجلست بين يديه فقال : ( ابشر يا كعب بن مالك بخير يوم اتى عليك منذ ولدتك امك )فقلت : يا نبي الله امن عند الله ام من عندك ؟ قال : (بل من عند الله ثم تلا هذه الايه {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعه العسره }حتى بلغ {ان الله هو التواب الرحيم } قال : وفينا انزلت ايضا {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } وذكر الحديث ..

    وقال طنطاوي : ذكر سبحانه جانبا من مظاهر فضله على عباده المومنين حيث تقبل توبتهم وتجاوز عن زلاتهم فقال تعالى{ لقد تاب الله على النبي } قال الامام الرازى اعلم انه تعالى لما استقصى فى شرح احوال غزوه تبوك وبين احوال المتخلفين عنها واطال القول فى ذلك على الترتيب الذى لخصناه فيما سبق عاد فى هذه الايه الى شرح ما بقى من احكامها ومن بقيه تلك الاحكام انه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجرى مجرى ترك الاولى وصدر عن المومنين كذلك نوع زلة فذكر سبحانه انه تفضل عليهم وتاب عليهم فى تلك الزلات فقال تعالى {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار}

وقال ابن كثير : قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الايه فى غزه تبوك وذلك انهم خرجوا اليها فى شده من الامر فى سنه مجدبه وحر شديد وعسر فى الزاد والماء وقال قتاده خرجوا الى الشام عام تبوك فى لهبان الحر اى شدته على ما يعلم الله من الجهد اصابهم تعب شديد حتى لقد ذكر لنا ان الرجلين كانا يشقان التمره بينهما وقال الحسن كان العشره منهم يعتقبون بعيرا واحدا يركب الرجل منهم ساعه ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم الا التمرات اليسيره فاذا بلغ الجوع من احدهم اخذ التمره فلاكها حتى يجد طعمها ثم يشرب عليها جرعه من الماء ومضوا مع النبى صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضى الله عنهم وقوله : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } بيان لتناهى الشده وبلوغها الغايه القصوى اى تاب سبحانه على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والانصار من بعد ان اشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج الى غزوه تبوك لما لابسها وصاحبها من عسر وشده وتعب وفى ذكر فريق منهم اشاره الى ان معظم المهاجرين والانصار مضوا معه صلى الله عليه وسلم الى تبوك دون ان توثر هذه الشدائد فى قوه ايمانهم وصدق يقينهم ومضاء عزيمتهم وشده اخلاصهم

   وقال ابن عاشور : انتقال من التحريض على الجهاد والتحذير من التقاعس والتوبيخ على التخلف وما طرا على ذلك التحريض من بيان احوال الناس تجاه ذلك التحريض وما عقبه من اعمال المنافقين والضعفاء والجبناء الى بيان فضيله الذين انتدبوا للغزو واقتحموا شدائده فالجملة استئناف ابتدائي وافتتاحها بحرف التحقيق تاكيد لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان حسبما دل عليه الاتيان بالمسندات كلها افعالا ماضيه ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يوذن بالبشاره لرضى الله على المومنين الذين غزوا تبوك وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغزاه للتنويه بشان هذه التوبه واتيانها على جميع الذنوب اذ قد علم المسلمون كلهم ان النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تاخر ومعنى تاب عليه غفر له اي لم يواخذه بالذنوب سواء كان مذنبا ام لم يكنه كقوله تعالى {علم ان لن تحصوه فتاب عليكم }  اي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هنالك ذنب ولا توبة فمعنى التوبه على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه ان الله لا يواخذهم بما قد يحسبون انه يسبب مواخذه كقول النبي صلى الله عليه وسلم( لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) واما توبة الله على الثلاثه الذين خلفوا فهي استجابته لتوبتهم من ذنبهم والمهاجرون والانصار هم مجموع اهل المدينه وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينه ومكه ولكنهم خصوا بالثناء لانهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا باموالهم فكانوا اسوة لمن اتسى بهم من غيرهم من القبائل ووصف المهاجرون والانصار ب {الذين اتبعوه } للايماء الى ان لصلة الموصول تسببا في هذه المغفره ومعنى اتبعوه اطاعوه ولم يخالفوا عليه فالاتباع مجازي

 

 إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 الذين كانوا يختانون أنفسهم تاب الله عليهم وعفا عنهم

قال تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}

   روى البخاري عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون انفسهم فانزل الله تعالى علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالمقصود من الايه الكريمه عند هولاء رفع ما توهمه بعض الصحابه من ان الاكل او الشرب او الجماع لا يجوز ما دامو قد ناموا بعد فطرهم لان الله تعالى رءوف رحيم بهم ولم يشرع لهم ما فيه حرج او مشقه عليهم وعلى كلا القولين فالايه الكريمه تسوق لنا لونا من الوان رحمة الله تعالى بعباده فيما شرع لهم من فرائض واحكام

   ذكر الطبري ان عمر رضي الله تعالى عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليله فوجد امراته قد نامت فارادها فقالت له قد نمت فقال لها ما نمت فوقع بها وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال اعتذر الى الله واليك فان نفسي زينت لي فواقعت اهلي فهل تجد لي من رخصه فقال لي لم تكن حقيقا بذلك يا عمر فلما بلغ بيته ارسل اليه فانبأه بعذره في آية من القران وذكره النحاس ومكي

 قال البغوى : قوله تعالى " علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم " فتاب عليكم تجاوز عنكم وعفا عنكم محا ذنوبكم فالان باشروهن جامعوهن حلالا سميت المجامعه مباشره لتلاصق بشره كل واحد منهم لصاحبه وابتغوا ما كتب الله لكم اي فاطلبوا ما قضى الله لكم وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد قاله اكثر المفسرين

    وقال ابن كثير : هذه رخصه من الله تعالى للمسلمين ورفع لما كان عليه الامر في ابتداء الاسلام فانه كان اذا افطر احدهم انما يحل له الاكل والشرب والجماع الى صلاه العشاء او ينام قبل ذلك فمتى نام او صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع الى الليله القابله فوجدوا من ذلك مشقه كبيره والرفث هنا هو الجماع قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتاده والزهري والضحاك وابراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان

    وقال القرطبى : قوله تعالى{ احل لكم } روى البخاري عن البراء قال كان اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اذا كان الرجل صائما فحضر الافطار فنام قبل ان يفطر لم ياكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وان قيس بن صرمه الانصاري كان صائما وفي روايه كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما فلما حضر الافطار اتى امراته فقال لها اعندك طعام قالت لا ولكن انطلق فاطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امراته فلما راته قالت خيبه لك فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الايه احل لكم ليله الصيام الرفث الى نسائكم ففرحوا فرحا شديدا ونزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الذين لم يحصوا قيام الليل تاب الله عليهم

قال تعالى : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ }

    قال البغوى : " علم ان لن تحصوه " لن تطيقوا معرفه ذلك وقال مقاتل كان الرجل يصلي الليل كله مخافه ان لا يصيب ما امر به من القيام فقال علم ان لن تحصوه لن تطيقوا معرفه ذلك فتاب عليكم فعاد عليكم بالعفو والتخفيف فاقرءوا ما تيسر من القران يعني في الصلاه

وقال طنطاوي : وقوله تعالى علم ان لن تحصوه فتاب عليكم موكد لما قبله وإحصاء الاشياء عدها والاحاطه بها والضمير المنصوب فى قوله تحصوه يعود على المصدر المفهوم من قوله يقدر فى الجمله السابقه والتوبه فى قوله سبحانه فتاب عليكم يصح ان تكون بمعنى المغفره وعدم المواخذه او بمعنى قبولها منهم والتيسير عليهم فى الاحكام وتخفيفها عنهم اى والله تعالى هو الذى يقدر اجزاء الليل والنهار وهو الذى يعلم دون غيره انكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا ولذلك خفف الله عنكم فى امر القيام ورفع عنكم المقدار المحدد وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير غير مقصود ورخص لكم ان تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل مصلين ومتهجدين فالجمله الكريمه تقرر جانبا من فضل الله تعالى على عباده ومن رحمته بهم  

    وقال القرطبى : قوله تعالى {فتاب عليكم }اي فعاد عليكم بالعفو وهذا يدل على انه كان فيهم من ترك بعض ما امر به وقيل اي فتاب عليكم من فرض القيام اذ عجزتم واصل التوبه الرجوع كما تقدم ; فالمعنى رجع لكم من تثقيل الى تخفيف ومن عسر الى يسر وانما امروا بحفظ الاوقات على طريق التحري فخفف عنهم ذلك التحري وقيل معنى والله يقدر الليل والنهار يخلقهما مقدرين ; كقوله تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}   ابن العربي تقدير الخلقه لا يتعلق به حكم وانما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف

    وقال ابن عاشور : من هنا يبتدىء ما نزل من هذه السوره بالمدينه كما تقدم ذكره في اول السوره وصريح هذه الايه ينادي على ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل قبل نزول الايه وان طائفه من اصحابه كانوا يقومون عملا بالامر الذي في اول السوره من قوله قم الليل الا قليلا الايه فتعين ان هذه الايه نزلت للتخفيف عنهم جميعا لقوله فيها      {فتاب عليكم }فهي ناسخه للامر الذي في اول السوره

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم

قال تعالى : { وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ}

    قال البغوى : وحسبوا ظنوا الا تكون فتنه اي عذاب وقتل وقيل ابتلاء واختبار اي ظنوا ان لا يبتلوا ولا يعذبهم الله قرا اهل البصره وحمزه والكسائي " تكون " برفع النون على معنى انها لا تكون ونصبها الاخرون كما لو لم يكن قبله لا فعموا عن الحق فلم يبصروه وصموا عنه فلم يسمعوه يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه ثم تاب الله عليهم ببعث عيسى عليه السلام ثم عموا وصموا كثير منهم بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والله بصير بما يعملون

    وقال ابن كثير : وحسبوا الا تكون فتنه اي وحسبوا الا يترتب لهم شر على ما صنعوا فترتب وهو انهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون اليه ثم تاب الله عليهم اي مما كانوا فيه ثم عموا وصموا اي بعد ذلك وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون اي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهدايه ممن يستحق الغوايه

    وقال القرطبى : قوله تعالى {وحسبوا الا تكون فتنه }المعنى ; ظن هولاء الذين اخذ عليهم الميثاق انه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغترارا بقولهم نحن ابناء الله واحباوه وانما اغتروا بطول الامهال 000قوله تعالى {فعموا } اي عن الهدى {وصموا } اي عن سماع الحق ; لانهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه {ثم تاب الله عليهم } في الكلام اضمار اي وقعت بهم الفتنه فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط او بارسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بان الله يتوب عليهم ان امنوا فهذا بيان تاب الله عليهم اي يتوب عليهم ان امنوا وصدقوا لا انهم تابوا على الحقيقه ثم عموا وصموا كثير منهم اي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاه والسلام ; فارتفع كثير على البدل من الواو

وقال طنطاوي : ثم بين سبحانه بعد ذلك انهم مع ما فعلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ينزجروا ولم يندموا بلغ بهم الغرور والسفه انهم ظنوا ان ما فعلوه شيء هين وانه لن يكون له اثر سىء في حياتهم فقال تعالى {وحسبوا الا تكون فتنه فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } وقوله {وحسبوا }معطوف على قوله كذبوا وهو من الحسبان بمعنى الظن وقوله فتنه من الفتن وهو ادخال الذهب في النار لتظهر جودته والمراد بها هنا الشدائد والمحن والمصائب التي تنزل بالناس وقوله فعموا وصموا من العمى الذي هو ضد الابصار ومن الصمم الذي هو ضد السمع وقد استعير هنا للاعراض عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل والمعنى ان بنى اسرائيل قد اخذنا عليهم العهد الموكد وارسلنا اليهم الرسل لهدايتهم فكان حالهم انهم كذبوا بعض الرسل وقتلوا البعض الاخر ولم يكتفوا بهذا بل ظنوا لسوء اعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور والتكبر على نفوسهم انهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فامنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماويه ثم تاب الله عليهم اى قبل توبتهم بعد ان رجعوا عما كانوا عليه من فساد ثم عموا وصموا اى ثم نكسوا على رءوسهم مرة اخرى فعادوا الى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على هدايتهم الا عددا قليلا منهم بقي على ايمانه وتوبته فانت ترى ان الآيه الكريمه مسوقه لبيان فساد معتقدات بنى اسرائيل وما جبلت عليه نفوسهم من جحود وغرور حيث ارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم ومنكرات تقشعر لها الابدان ومع كل ذلك حسبوا ان الله تعالى لا يعاقبهم عليها لانهم كما يزعمون ابناء الله واحباوه ثم انهم بعد ان تاب الله عليهم نقضوا عهودهم معه وعادوا الى عماهم عن الدين الذي جاءتهم به رسلهم والى صممهم عن الاستماع الى الحق الذي القوه اليهم

    وقال ابن عاشور : لبيان فساد اعتقادهم الناشيء عنه فاسد اعمالهم اي فعلوا ما فعلوا من الفظائع عن تعمد بغرور لا عن فلته او ثائره نفس حتى ينيبوا ويتوبوا والضمائر البارزه عائده مثل الضمائر المتقدمه  في  قوله  كذبوا  و يقتلون وظنوا ان فعلهم لا تلحقهم منه فتنه  والفتنه  مرج احوال  الناس  واضطراب  نظامهم  من جراء اضرار ومصائب متواليه   وهي قد تكون عقابا من الله للناس جزاء عن سوء فعلهم او تمحيصا لصادق ايمانهم لتعلو بذلك درجاتهم{ إن الذين فتنوا المومنين والمومنات} الايه وسمى القران هاروت وماروت فتنه وسمى النبيء صلى الله عليه وسلم الدجال فتنه  والمعنى : وظنوا ان الله لا يصيبهم بفتنه في الدنيا جزاء على ما عاملوا به انبياءهم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والخمسون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم

قال تعالى : {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَٰتٍۢ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ}

    قال البغوى : ااشفقتم ان تقدموا قال ابن عباس ابخلتم والمعنى اخفتم العيلة والفاقة ان قدمتم بين يدي نجواكم صدقات فاذ لم تفعلوا ما امرتم به وتاب الله عليكم تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقه وقيل " الواو " صله مجازه فان لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقه قال مقاتل بن حيان كان ذلك عشر ليال ثم نسخ وقال الكلبي ما كانت الا ساعه من نهار فاقيموا الصلاه المفروضة واتوا الزكاه الواجبة واطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون

    وقال القرطبى : فيه مسالتان

الاولى قوله تعالى{ ااشفقتم }استفهام معناه التقرير قال ابن عباس ااشفقتم اي ابخلتم بالصدقه وقيل خفتم والاشفاق الخوف من المكروه  اي خفتم وبخلتم بالصدقه وشق عليكم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات قال مقاتل بن حيان انما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ وقال الكلبي ما كان ذلك الا ليله واحدة وقال ابن عباس ما بقي الا ساعة من النهار حتى نسخ وكذا قال قتاده .

 الثانيه قوله تعالى {فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } اي نسخ الله ذلك الحكم وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به فاقيموا الصلاه واتوا الزكاه فنسخت فرضيه الزكاه هذه الصدقه وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل

وقال ابن عاشور : نزلت هذه الآية عقب التي قبلها والمشهور عند جمع من سلف المفسرين انها نزلت بعد عشرة ايام من التي قبلها وذلك ان بعض المسلمين القادرين على تقديم الصدقه قبل النجوى شق عليهم ذلك فامسكوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم فاسقط الله وجوب هذه الصدقة وقد قيل لم يعمل بهذه الآية غير علي بن ابي طالب رضي الله عنه ولعل غيره لم يحتج الى نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم واقتصد مما كان يناجيه لادنى موجب فالخطاب لطائفة من المومنين القادرين على تقديم الصدقة قبل المناجاة وشق عليهم ذلك او ثقل عليهم والاشفاق توقع حصول مالا يبتغيه  ومفعول { ااشفقتم } هو ان تقدموا اي من ان تقدموا اي ااشفقتم عاقبه ذلك وهو الفقر

قال المفسرون على ان هذه الآية ناسخة للتي قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقه لمن يريد مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية والاستفهام مستعمل في اللوم على تجهم تلك الصدقه مع ما فيها من فوائد لنفع الفقراء ثم تجاوز الله عنهم رحمة بهم بقوله تعالى {فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فاقيموا الصلاه واتوا الزكاه } الآية وقد علم من الاستفهام التوبيخي اي بعضا لم يفعل ذلك و اذ ظرفيه مفيدة للتعليل اي فحين لم تفعلوا فاقيموا الصلاة وفاء فاذ لم تفعلوا لتفريع  ما بعدها على الاستفهام التوبيخي وجمله {وتاب الله عليكم } معترضه والواو اعتراضيه وما تتعلق به اذ محذوف دل عليه قوله {وتاب الله عليكم}  تقديره خففنا عنكم واعفيناكم من ان تقدموا صدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفاء فاقيموا الصلاه عاطفه على الكلام المقدر وحافظوا على التكاليف الاخرى واقامة الصلاة وايتاء الزكاه وطاعه الله ورسوله اي فذلك لا تسامح فيه قيل لهم ذلك لئلا يحسبوا انهم كلما ثقل عليهم فعل مما كلفوا به يعفون منه واذ قد كانت الزكاه المفروضه سابقه على الامر بصدقه النجوى على الاصح كان فعل اتوا مستعملا في طلب الدوام مثل فعل فاقيموا واعلم انه يكثر وقوع الفاء بعد اذ ومتعلقها كقوله تعالى {واذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم } ، { و اذ اعتزلتموهم وما يعبدون الا الله فاووا الى الكهف } وجمله {والله خبير بما تعملون } تذييل لجمله فاقيموا الصلاه واتوا الزكاه وهو كناية عن التحذير من التفريط في طاعة الله ورسوله

  وقال الالوسى " اختلف فى ان الامر للندب او للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى {ااشفقتم ان تقدموا } وهو وان كان متصلا به تلاوة لكنه غير متصل به نزولا وقيل نسخ بايه الزكاه والمعول عليه الاول ولم يعين مقدار الصدقه ليجزىء القليل والكثير

اخرج الترمذى عن على بن ابى طالب قال لما نزلت {ياايها الذين امنوا اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقه } قال لى النبى صلى الله عليه وسلم " " ما ترى فى دينار " قلت لا يطيقونه قال " نصف دينار " قلت لا يطيقونه قال " فكم " قلت شعيره قال " فانك لزهيد " " فلما نزلت ااشفقتم ان تقدموا قال صلى الله عليه وسلم " خفف الله عن هذه الامه " ولم يعمل بها على المشهور غير على رضي الله عنه واختلف فى مده بقاء هذا الامر اى الامر بتقديم الصدقه فعن مقاتل عشره ايام وقال قتاده ساعه من نهار قال بعض العلماء " والايه الناسخه متاخره فى النزول وان كانت تاليه للايه المنسوخه فى التلاوه والظاهر والله اعلم ان الحادثه من باب الابتلاء والامتحان ليظهر للناس محب الدنيا من محب الاخره والله بكل شىء عليم "

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# دعاء إبراهيم ( وأرنا مناسكنا وتب علينا )

قال تعالى : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }(البقرة - 128)

 قال الطبرى : {وتب علينا } اما التوبة فاصلها الاوبة من مكروه الى محبوب فتوبة العبد الى ربه اوبته مما يكرهه الله منه بالندم عليه والاقلاع عنه والعزم على ترك العود فيه وتوبة الرب على عبده عوده عليه بالعفو له عن جرمه والصفع له عن عقوبة ذنبه مغفرة له منه وتفضلا عليه فان قال لنا قائل وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا الى مسائلة ربهما التوبة قيل انه ليس احد من خلق الله الا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الانابة منه والتوبة فجائز ان يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك وانما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت لان ذلك كان احرى الاماكن ان يستجيب الله فيها دعاءهما وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما وتتخذ الناس تلك البقعه بعدهما موضع تنصل من الذنوب الى الله وجائز ان يكونا عنيا بقولهما {وتب علينا } وتب على الظلمة من اولادنا وذريتنا الذين اعلمتنا امرهم من ظلمهم وشركهم حتى ينيبوا الى طاعتك فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لانفسهما والمعني به ذريتهما كما يقال اكرمني فلان في ولدي واهلي وبرني فلان اذا بر ولده انك انت التواب الرحيم

وقال البغوى : ربنا واجعلنا مسلمين لك موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك ومن ذريتنا اي اولادنا ، امة جماعة والامة اتباع الانبياء مسلمه لك خاضعه لك وارنا علمنا وعرفنا مناسكنا شرائع ديننا وقيل مواضع حجنا وقال مجاهد : مذابحنا والنسك الذبيحة وقيل متعبداتنا واصل النسك العبادة والناسك العابد فاجاب الله تعالى دعاءهما فبعث جبريل فاراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال عرفت يا ابراهيم قال نعم فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات وتب علينا تجاوز عنا انك انت التواب الرحيم

        وقال طنطاوي : وتب علينا تسند التوبة الى العبد فيقال تاب فلان الى الله ومعناها الندم على ما لابس من الذنب والاقلاع عنه والعزم على عدم العود اليه ورد المظالم إن استطاع او نية ردها ان لم يستطع ، وتسند الى الله فيقال تاب الله على فلان ومعناها حينئذ توفيقة الى التوبة او قبولها منه فمعنى وتب علينا وفقنا للتوبة او تقبلها منا والتوبة تكون من الكبائر والصغائر وتكون من ترك ما هو اولى او من تقصير يودى الى خطا في الاجتهاد وعلى احد هذين الوجهين تحمل التوبة التي يسال الانبياء والمرسلون ربهم قبولها او التوفيق لها انك انت التواب الرحيم التواب كثير القبول لتوبة المنيبين اليه وقبول توبتهم يقتضى عدم مواخذتهم بما ياتونه من سيئات ثم بعد تخلصهم من عقوبه الخطيئه او المعاتبه عليها ينتظرون من رحمة الله ان تحفهم باحسان             وابراهيم واسماعيل عليهما السلام قد طلبا قبول توبتهما صراحة في قولهما وتب علينا ولوحا الى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم اذ الرحمة صفه من اثرها الاحسان فكانهما قالا تب علينا وارحمنا وهذا من اكمل اداب الدعاء وارجاها للقبول عند الله تعالى

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#التوبة صفة من صفات المؤمنين

قال تعالى :{ ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} (التوبة - 112)

       قال الطبرى : يقول تعالى ذكره ان الله اشترى من المومنين التائبين العابدين انفسهم واموالهم  ولكنه رفع اذ كان مبتدا به بعد تمام اخرى مثلها ومعنى " التائبون " الراجعون مما كرهه الله وسخطه الى ما يحبه ويرضاه ؛قال الحسن في قول الله التائبون قال تابوا الى الله من الذنوب كلها  وقال : تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق وقال الذين تابوا من الذنوب ثم لم يعودوا فيها

وقال البغوى : التائبون قال الفراء استونفت بالرفع لتمام الآية وانقطاع الكلام وقال الزجاج التائبون رفع للابتداء وخبره مضمر المعنى التائبون الى اخر الآية لهم الجنه ايضا أي من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد لان بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد فمن كانت هذه صفته فله الجنه ايضا وهذا احسن فكأنه وعد الجنة لجميع المومنين كما قال { وكلا وعد الله الحسنى } النساء 95 فمن جعله تابعا للاول كان الوعد بالجنه خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفه قوله تعالى التائبون اي الذين تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق العابدون المطيعون الذين اخلصوا العبادة لله عز وجل الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء

   وقال ابن كثير : هذا نعت المومنين الذين اشترى الله منهم انفسهم واموالهم بهذه الصفات الجميله والخلال الجليله التائبون من الذنوب كلها التاركون للفواحش العابدون اي القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها وهي الاقوال والافعال فمن اخص الاقوال الحمد فلهذا قال الحامدون

    وقال القرطبى :قوله تعالى التائبون العابدون التائبون هم الراجعون عن الحاله المذمومه في معصيه الله الى الحاله المحموده في طاعه الله والتائب هو الراجع والراجع الى الطاعه هو افضل من الراجع عن المعصيه لجمعه بين الامرين

    وقال ابن عاشور : فكان اصلها الجر ولكنها قطعت عن الوصفيه وجعلت اخبارا لمبتدا محذوف هو ضمير الجمع اهتماما بهذه النعوت اهتماما اخرجها عن الوصفيه الى الخبريه ويسمى هذا الاستعمال نعتا مقطوعا وما هو بنعت اصطلاحي ولكنه نعت في المعنى ف التائبون مراد منه انهم مفارقون للذنوب سواء كان ذلك من غير اقتراف ذنب يقتضي التوبه كما قال تعالى{ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه } الآيه  ام كان بعد اقترافه كقوله تعالى {فان يتوبوا يك خيرا لهم } بعد قوله {ولقد قالوا كلمه الكفر وكفروا بعد اسلامهم }الآيه المتقدمه انفا       واول التوبة الايمان لانه اقلاع عن الشرك ثم يدخل منهم من كان له ذنب مع الايمان وتاب منه وبذلك فارق النعت المنعوت وهو المومنين

    وقال طنطاوي : ثم وصف الله تعالى هولاء المومنين الصادقين بجمله من الاوصاف الكريمه فقال {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون } قال العلماء ما ملخصه : ذكر الله تعالى فى هذه الآيه تسعه اوصاف للمومنين السته الاولى منها تتعلق بمعامله الخالق والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعامله المخلوق والوصف التاسع يعم القبيلتين

وقوله التائبون فيه وجوه من الاعراب منها انه مرفوع على المدح فهو خبر لمبتدا محذوف وجوبا للمبالغه فى المدح اى المومنون المذكورون التائبون ومنها ان الخبر هنا محذوف اى التائبون المصوفون بهذه الاوصاف من اهل الجنه والمعنى " التائبون " عن المعاصى وعن كل ما نهت عنه شريعه الله " العابدون " لخالقهم عباده خالصه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

وصف المسلمات المؤمنات بالتائبات

#قال تعالى : { عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَٰتٍۢ مُّؤْمِنَٰتٍۢ قَٰنِتَٰتٍۢ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٍۢ سَٰٓئِحَٰتٍۢ ثَيِّبَٰتٍۢ وَأَبْكَارًا }(التحريم - 5)

    قال ابن عاشور : في الصحيحين واللفظ للبخاري عن عمر قال وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى فنزلت {واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى} البقره 12 وقلت يدخل عليك البر والفاجر فلو امرت امهات المومنين بالحجاب فانزل الله آية الحجاب وبلغني معاتبة النبي بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت ان انتهيتن او ليبدلن الله رسوله خيرا منكن فانزل الله {عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجا خيرا منكن مسلمات} الاية وهي موعظة بان ياذن الله له بطلاقهن وانه تصير له ازواج خير منهن وهذا اشارة الى المعنى السادس عشر من مواعظ هذه الاي وقرا الجمهور ان يبدله بتشديد الدال مضارع بدل وقراه يعقوب بتخفيف مضارع ابدل والمسلمات المتصفات بالاسلام والمومنات المصدقات في نفوسهن والقانتات القائمات بالطاعه احسن قيام ....

وقوله {ومن يقنت منكن لله ورسوله } في سوره الاحزاب 31 وفي هذا الوصف اشعار بانهن مطيعات لله ورسوله ففيه تعريض لما وقع من تقصير احداهن في ذلك فعاتبها الله وايقظها للتوبه والتائبات المقلعات عن الذنب اذا وقعن فيه وفيه تعريض باعاده التحريض على التوبه من ذنبهما التي امرتا بها بقوله {ان تتوبا الى الله } التحريم 4

    إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#غافر الذنب وقابل التوب

قال تعالى : { غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} (غافر - 3)

قال البغوى : غافر الذنب ساتر الذنب وقابل التوب يعني التوبه مصدر تاب يتوب توبا وقيل التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم

وقال ابن كثير : وقوله غافر الذنب وقابل التوب اي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب اليه وخضع لديه وقوله شديد العقاب اي لمن تمرد وطغى واثر الحياة الدنيا وعتا عن اوامر الله وبغى وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف وهذه كقوله تعالى {نبئ عبادي اني انا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الاليم } الحجر 49 50 يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعدده من القران ; ليبقى العبد بين الرجاء والخوف

  وقال القرطبى : {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } قال الفراء جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة وقال الزجاج هي خفض على البدل ، وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه ان غافر الذنب وقابل التوب يجوز ان يكونا معرفتين على انهما لما مضى فيكونا نعتين ويجوز ان يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز ان يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل ويجوز النصب على الحال .....

و " التوب " يجوز ان يكون مصدر تاب يتوب توبا ويحتمل ان يكون جمع توبة ، ويجوز ان يكون التوب بمعنى التوبة قال ابو العباس والذي يسبق الى قلبي ان يكون مصدرا اي يقبل هذا الفعل كما تقول قال قولا واذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات

  وقال ابن عاشور : كانه يقول ان كنتم اذنبتم بالكفر بالقران فان تدارك ذنبكم في مكنتكم لان الله مقرر اتصافه بقبول التوبة وبغفران الذنب فكما غفر لمن تابوا من الامم فقبل ايمانهم يغفر لمن يتوب منكم   وتقديم غافر على قابل التوب مع انه مرتب عليه في الحصول للاهتمام بتعجيل الاعلام به لمن استعد لتدارك امره فوصف غافر الذنب وقابل التوب تعريض بالترغيب وصفتا شديد العقاب ذي الطول تعريض بالترهيب

والتوب مصدر تاب والتوب بالمثناه والثوب بالمثلثه والاوب كلها بمعنى الرجوع اي الرجوع الى امر الله وامتثاله بعد الابتعاد عنه وانما عطفت صفة وقابل التوب بالواو على صفة غافر الذنب ولم تفصل كما فصلت صفتا العليم وصفه شديد العقاب اشاره الى نكته جليله وهي افاده ان يجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين ان يقبل توبته فيجعلها له طاعه وبين ان يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندم على فعلها فيصبح كانه لم يفعلها وهذا فضل من الله

  وقال طنطاوي : غافر الذنب اى ساتر لذنوب عباده ومزيل لاثرها عنهم بفضله ورحمته فلفظ غافر من الغفر بمعنى الستر والتغطيه يقال غفر الله تعالى ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا اذا غطاه وستره وعفا عنه ولفظ الذنب يطلق على كل قول او فعل تسوء عاقبته ماخوذ من ذنب الشئ اى نهايته

 وقابل التوب والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه يقال تاب فلان عن الذنب توبة وتوبتا اذا رجع عنه اى انه سبحانه يغفر ذنوب عباده ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما  

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب

قال تعالى : { كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } (الرعد - 30)

  قال ابن عاشور : جمله عليه توكلت واليه متاب هي نتيجه لكونه ربا واحدا ولكنها كالنتيجه ؛ لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال وتقديم المجرورين وهما عليه و اليه لافاده اختصاص التوكل والمتاب بالكون عليه اي لا على غيره لانه لما توحد بالربوبيه كان التوكل عليه    ولما اتصف بالرحمانيه كان المتاب اليه لان رحمانيته مظنه لقبوله توبة عبده والمتاب مصدر ميمي على وزن مفعل اي التوبة يفيد المبالغه لان الاصل في المصادر الميمية انها اسماء زمان جعلت كناية عن المصدر ثم شاع استعمالها حتى صارت كالصريح ولما كان المتاب متضمنا معنى الرجوع الى ما يامر الله به عُدي المتاب بحرف الى واصل متاب متابي باضافة الى ياء المتكلم فحذفت الياء تخفيفا وابقيت الكسرة دليلا على المحذوف كما حذف في النادى المضاف الى الياء

  وقال طنطاوي : والحال انهم يكفرون بالرحمن اى العظيم الرحمه الذى وسعت رحمته كل شئ واوثر اختيار اسم الرحمن من بين اسمائه تعالى للاشاره الى ان ارساله صلى الله عليه وسلم مبعثه الرحمه كما قال تعالى {وما ارسلناك الا رحمه للعالمين} وللرد عليهم فى انكارهم ان يكون الله تعالى رحمانا فقد حكى القران عنهم ذلك فى قوله {واذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } وقد ثبت فى الحديث الصحيح انهم لم يرضوا بكتابة هذا الاسم الكريم فى صلح الحديبيه فعندما قال صلى الله عليه وسلم لعلى اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال احد زعمائهم ما ندرى ما الرحمن الرحيم وقد امر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يرد عليهم بما يبطل كفرهم فقال {قل هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب } اى قل لهم ايها الرسول الكريم : الرحمن الذى تتجافون النطق باسمه الكريم هو وحده ربى وخالقى لا اله مستحق للعبادة سواه عليه لا على احد سواه توكلت فى جميع امورى واليه لا الى غيره مرجعى وتوبتى وانابتى فهذه الجملة الكريمة اشتملت على ابلغ رد على اولئك المشركين الذين انكروا ان يكون الأله جل وعلا رحماناً وانه سبحانه هو المستحق للعباده

    # التوبة لها مبدأ ومنتهى

قال ابن القيم رحمه الله: التوبة لها مبدأ ومنتهى، فمبدؤها الرجوع إلى الله بسلوك صراطه المستقيم الذي نصبه لعباده، موصلا إلى رضوانه، وأمرهم بسلوكه بقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] وبقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} [الشورى: 52] وبقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد}الحج: 24

    ونهايتها الرجوع إليه في المعاد، وسلوك صراطه الذي نصبه موصلا إلى جنته، فمن رجع إلى الله في هذه الدار بالتوبة رجع إليه في المعاد بالثواب، وهذا هو أحد التأويلات في قوله تعالى {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} [الفرقان: 71] قال البغوي وغيره: يتوب إلى الله متابا يعود إليه بعد الموت، متابا حسنا يفضل على غيره فالتوبة الأولى - وهي قوله: ومن تاب - رجوع عن الشرك، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.                                                            والتأويل الثاني: أن الجزاء متضمن معنى الأوامر، والمعنى: ومن عزم على التوبة وأرادها، فليجعل توبته إلى الله وحده، ولوجهه خالصا، لا لغيره.                                                                التأويل الثالث: أن المراد لازم هذا المعنى، وهو إشعار التائب وإعلامه بمن تاب إليه، ورجع إليه، والمعنى: فليعلم توبته إلى من؟ ورجوعه إلى من؟ فإنها إلى الله لا إلى غيره.

    ونظير هذا - على أحد التأويلين - قوله تعالى {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] أي اعلم ما يترتب على من عصى أوامره ولم يبلغ رسالته.

 والتأويل الرابع: أن التوبة تكون أولا بالقصد والعزم على فعلها، ثم إذا قوي العزم وصار جازما وجد به فعل التوبة، فالتوبة الأولى بالعزم والقصد لفعلها، والثانية بنفس إيقاع التوبة وإيجادها، والمعنى: فمن تاب إلى الله قصدا ونية وعزما، فتوبته إلى الله عملا وفعلا، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الله هو يقبل التوبة عن عباده

قال تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (التوبة - 104)

    قال ابن كثير : هذا تهييج الى التوبه والصدقه اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها واخبر تعالى ان كل من تاب اليه تاب عليه ومن تصدق بصدقه من كسب حلال فان الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمره مثل احد

    وقال القرطبى :  قيل : قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هولاء كانوا معنا بالامس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم الان وما هذه الخاصه التي خصوا بها دوننا ; فنزلت الم يعلموا فالضمير في يعلموا عائد الى الذين لم يتوبوا من المتخلفين قال معناه ابن زيد ويحتمل ان يعود الى الذين تابوا وربطوا انفسهم وقوله تعالى هو تاكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الامور وتحقيق ذلك انه لو قال ان الله يقبل التوبه لاحتمل ان يكون قبول رسوله قبولا منه ; فبينت الايه ان ذلك مما لا يصل اليه نبي ولا ملك

    وقال الطبرى وهذا خبر من الله تعالى ذكره اخبر به المومنين به ان قبول توبة من تاب من المنافقين واخذ الصدقه من اموالهم اذا اعطوها ليسا الى نبي الله صلى الله عليه وسلم  وان نبي الله حين ابى ان يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه وحين ترك قبول صدقتهم بعد ان اطلق الله عنهم حين اذن له في ذلك انما فعل ذلك من اجل ان ذلك لم يكن اليه صلى الله عليه وسلم وان ذلك الى الله تعالى ذكره دون محمد وان محمدا انما يفعل ما يفعل من ترك واطلاق واخذ صدقه وغير ذلك من افعاله بامر الله فقال جل ثناوه الم يعلم هولاء المتخلفون عن الجهاد مع المومنين الموثقو انفسهم بالسواري القائلون " لا نطلق انفسنا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا " السائلو رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ صدقه اموالهم ان ذلك ليس الى محمد وان ذلك الى الله وان الله هو الذي يقبل توبه من تاب من عباده او يردها وياخذ صدقه من تصدق منهم او يردها عليه دون محمد فيوجهوا توبتهم وصدقتهم الى الله ويقصدوا بذلك قصد وجهه دون محمد وغيره ويخلصوا التوبه له ويريدوه بصدقتهم ويعلموا ان الله هو التواب الرحيم  

    وقال ابن عاشور : ان كان الذين اعترفوا بذنوبهم وعرضوا اموالهم للصدقه قد بقي في نفوسهم اضطراب من خوف ان لا تكون توبتهم مقبوله وان لا يكون الرسول عليه الصلاه والسلام قد رضي عنهم وكان قوله {ان صلواتك سكن لهم }التوبه 103 مشيرا الى ذلك وذلك الذي يشعر به اقتران قبول التوبه وقبول الصدقات هنا ليناظر قوله { اعترفوا بذنوبهم} التوبه 102 وقوله {خذ من اموالهم صدقه }التوبه 103 كانت جمله {الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبه} استينافا بيانيا ناشئا عن التعليل بقوله {ان صلواتك سكن لهم }التوبه 103 لانه يثير سوال من يسال عن موجب اضطراب نفوسهم بعد ان تابوا فيكون الاستفهام تقريرا مشوبا بتعجب من ترددهم في قبول توبتهم والمقصود منه التذكير بامر معلوم لانهم جروا على حال نسيانه ويكون ضمير يعلموا عائدا الى الذين اعترفوا بذنوبهم وان كان الذين اعترفوا بذنوبهم لم يخطر ببالهم شك في قبول توبتهم وكان قوله {ان صلواتك سكن لهم }التوبه 103 مجرد ارشاد من الله لرسوله الى حكمة دعائه لهم بان دعاءه يصلح نفوسهم ويقوي ايمانهم

 وقال طنطاوي : حرضهم سبحانه على التوبه النصوح وحثهم على بذل الصدقات فقال {الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبه عن عباده وياخذ الصدقات} اى الم يعلم هولاء التائبون من ذنوبهم ان الله تعالى وحده هو الذى يقبل التوبه الصادقه من عباده المخلصين وانه سبحانه هو الذى " ياخذ الصدقات " اى يتقبلها من اصحابها قبول من ياخذ شيئا ليودى بدله فالتعبير بالاخذ للترغيب فى بذل الصدقات ودفعها للفقراء والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبه وبذل الصدقه وقوله وان الله هو التواب الرحيم تذييل قصد به تقرير ما قبله وتاكيده اى وان الله وحده هو الذى يقبل توبته المره بعد الاخرى وانه هو الواسع الرحمه بهم الكثير المغفره لهم

 إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات

قال تعالى : { وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى - 25)

    قال الطبرى : يقول تعالى ذكره والله الذي يقبل مراجعه العبد اذا رجع الى توحيد الله وطاعته من بعد كفره ويعفو عن السيئات يقول ويعفو له ان يعاقبه على سيئاته من الاعمال وهي معاصيه التي تاب منها ويعلم ما تفعلون

  وقال ابن كثير : يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم اليه اذا تابوا ورجعوا اليه انه من كرمه وحلمه انه يعفو ويصفح ويستر ويغفر كقوله {ومن يعمل سوءا او يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} النساء 110 وقد ثبت في صحيح مسلم بسنده من حديث انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لله اشد فرحا بتوبه عبده حين يتوب اليه من احدكم كان على راحلته بارض فلاه فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فايس منها فاتى شجره فاضطجع في ظلها قد آيس من راحلته فبينما هو كذلك اذا هو بها قائمه عنده فاخذ بخطامها ثم قال من شده الفرح اللهم انت عبدي وانا ربك اخطا من شده الفرح "              وقد ثبت ايضا في الصحيح من روايه عبد الله بن مسعود نحوه وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله وهو الذي يقبل التوبه عن عباده ان ابا هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لله اشد فرحا بتوبة عبده من احدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف ان يقتله العطش فيه "   وقال همام بن الحارث سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها قال لا باس به وقرا وهو الذي يقبل التوبه عن عباده الآيه رواه ابن جرير وابن ابي حاتم من حديث شريك القاضي عن ابراهيم بن مهاجر عن ابراهيم النخعي عن همام فذكره

وقوله {ويعفو عن السيئات} اي يقبل التوبه في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي ويعلم ما تفعلون اي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب اليه

   وقال القرطبى : قوله تعالى {وهو الذي يقبل التوبه عن عباده } قال ابن عباس لما نزل قوله تعالى {قل لا اسالكم عليه اجرا الا الموده في القربى } قال قوم في نفوسهم ما يريد الا ان يحثنا على اقاربه من بعده فاخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وانهم قد اتهموه فانزل {ام يقولون افترى على الله كذبا }الآيه فقال القوم يا رسول الله فانا نشهد انك صادق ونتوب فنزلت {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } قال ابن عباس اي عن اوليائه واهل طاعته والآية عامة

    وقال ابن عاشور : لما جرى وعيد الذين يحاجون في الله لتاييد باطلهم من قوله تعالى {والذين يحاجون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضه عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد }الشورى 16 ثم اتبع بوصف سوء حالهم يوم الجزاء بقوله {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } الشورى 22 وقوبل بوصف نعيم الذين امنوا بقوله {والذين امنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات}الشورى 22 وكان ذلك مظنه ان يكسر نفوس اهل العناد والضلاله اعقب باعلامهم ان الله من شانه قبول توبة من يتوب من عباده وعفوه بذلك عما سلف من سيئاتهم

 وهذا الاخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال وهو ايضا بشارة للمومنين بانه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية فان الذي من شانه ان يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة التائبين من قبل بدلاله لحن الخطاب او فحواه وان من شانه الاستجابه للذين امنوا وعملوا الصالحات من عباده وكل ذلك جري على عاده القران في تعقيب الترهيب بالترغيب وعكسه

وهذا كله يتضمن وعدا للمومنين بقبول ايمانهم وللعصاه بقبول توبتهم فجملة {وهو الذي يقبل التوبه عن عباده }معطوفة على جملة {وان الظالمين لهم عذاب اليم }الشورى 21

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 توبة القاتل

قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}النساء/ 92

    قال الطبرى : قال جل ثناوه {توبة من الله وكان الله عليما حكيما } يعني تجاوزا من الله لكم الى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبه المؤمنة اذا اعسرتم بها بايجابه عليكم صوم شهرين متتابعين وكان الله عليما حكيما يقول ولم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك حكيما بما يقضي فيهم ويريد

وقال البغوى : {توبة من الله} اي جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ وكان الله عليما بمن قتل خطأ حكيما فيما حكم به عليكم

 وقال القرطبى : قوله تعالى {توبة من الله } نصب على المصدر ومعناه رجوعا وانما مست حاجه المخطئ الى التوبة لانه لم يتحرز وكان من حقه ان يتحفظ وقيل اي فليات بالصيام تخفيفا من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبه ومنه قوله تعالى {علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم } اي خفف وقوله تعالى {علم ان لن تحصوه فتاب عليكم }

  وقال ابن عاشور :  وقوله{ توبة من الله }مفعول لاجله على تقدير شرع الله الصيام توبة منه والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينه تعديته ب {من} لان تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه كما تقدم في قوله تعالى {انما التوبه على الله } النساء 17 في هذه السورة  اي خفف الله عن القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما اخطأ فيه لانه اخطأ في عظيم ولك ان تجعل توبة مفعولا لاجله راجعا الى تحرير الرقبه والدية وبدلهما وهو الصيام اي شرع الله الجميع توبة منه على القاتل ولو لم يشرع له ذلك لعاقبه على اسباب الخطأ وهي ترجع الى تفريط الحذر والاخذ بالحزم

    وقال طنطاوي :  {توبة من الله }وبهذه الاحكام الحكيمة تربي النفوس على الاحتراس والاحتياط واخذ الحذر وتصان الدماء عن ان تذهب هدرا وتعوض اسرة القتيل عن فقيدها بما يخفف الآمها ويجبر خاطرها وتعوض الجماعة الاسلامية بتحرير رقبة مومنة تعمل لصالح الجماعة بحرية وانطلاق بعد ان كانت تعمل لخدمه سيدها فحسب

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

الذين يتوبون من كتمان البينات والهدى يتوب الله عليهم

ﭧ ﭨ ﭽ ﮠ  ﮡ   ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ   ﮬ  ﮭ  ﮮﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ    ﯞﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﭼ البقرة: ١٥٩ - ١٦٠

    قال الطبرى : يعني تعالى ذكره بذلك أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من امر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي انـزله الله وبينه للناس الا من اناب من كتمانه ذلك منهم وراجع التوبة بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والاقرار به وبنبوته وتصديقه فيما جاء به من عند الله وبيان ما انـزل الله في كتبه التي انـزل الى انبيائه من الامر باتباعه واصلح حال نفسه بالتقرب الى الله من صالح الاعمال بما يرضيه عنه وبين الذي علم من وحي الله الذي انـزله الى انبيائه وعهد اليهم في كتبه فلم يكتمه واظهره فلم يخفه " فاولئك " يعني هولاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم هم الذين اتوب عليهم فاجعلهم من اهل الاياب الى طاعتي والانابة الى مرضاتي ثم قال تعالى ذكره " وانا التواب الرحيم " يقول وانا الذي ارجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنى الي والراد لها بعد ادبارها عن طاعتي الى طلب محبتي والرحيم بالمقبلين بعد اقبالهم الي اتغمدهم مني بعفو واصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم بفضل رحمتي لهم

فان قال قائل وكيف يتاب على من تاب وما وجه قوله {الا الذين تابوا فاولئك اتوب عليهم }وهل يكون تائب الا وهو متوب عليه او متوب عليه الا وهو تائب قيل ذلك مما لا يكون احدهما الا والاخر معه فسواء قيل الا الذين تيب عليهم فتابوا او قيل الا الذين تابوا فإني اتوب عليهم

وقال الرازي : اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال ، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعد ،... ثم بين تعالى أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده ، مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة ، ثم بين ثالثا أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان ، وهو البيان وهو المراد بقوله :( وبينوا ) فدلت هذه الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي  

ومعنى : ( أتوب عليهم ) أقبل توبتهم ، وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها ، ومعنى قوله : ( وأنا التواب ) القابل لتوبة كل ذي توبة ، فهو مبالغة في هذا الباب ، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده ، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم .

  وقال طنطاوي : وبعد هذا الوعيد الشديد لاولئك الكاتمين لما امر الله باظهاره اورد القران في اعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الامل وتبين لهم انهم اذا تابوا وانابوا قبل الله توبتهم ورحمهم فقال تعالى {الا الذين تابوا } اى رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب ان يتاب عنه وندموا على ما صدر عنهم واصلحوا ما افسدوه بالكتمان بكل وسيله ممكنه وبينوا للناس حقيقة ما كتموه {فاولئك اتوب عليهم} اى اقبل توبتهم وافيض عليهم من رحمتي ومغفرتي {وانا التواب الرحيم } اى المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة

    وقال ابن كثير : ثم استثنى الله تعالى من هولاء من تاب اليه فقال  { الا الذين تابوا واصلحوا وبينوا } اي رجعوا عما كانوا فيه واصلحوا اعمالهم واحوالهم وبينوا للناس ما كانوا كتموه {فاولئك اتوب عليهم وانا التواب الرحيم}وفي هذا دلالة على ان الداعية الى كفر او بدعة اذا تاب الى الله تاب الله عليه ،وقد ورد ان الامم السابقة لم تكن التوبة تقبل من مثل هولاء منهم ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه

    وقال ابن عاشور : وقوله {الا الذين تابوا } استثناء من الذين يكتمون اي فهم لا تلحقهم اللعنة وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من الذين يكتمون ما انزلنا الخ.....

وشرط للتوبة ان يصلحوا ما كانوا افسدوا وهو باظهار ما كتموه وان يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم او في خلواتهم فالتوبة هنا الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فانه رجوع عن كتمانهم الشهاده له الوارده في كتبهم واطلاق التوبة على الايمان بعد الكفر وارد كثيرا لان الايمان هو توبه الكافر من كفره وانما زاد بعده واصلحوا وبينوا لان شرط كل توبة ان يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما اضاعه بفعله الذي تاب عنه ولعل عطف وبينوا على اصلحوا عطف تفسير وقوله فاولئك اتوب عليهم جمله مستانفه لغير بيان بل لفائدة جديدة لانه لما استثنى الذين تابوا فقد تم الكلام وعلم السامع ان من تابوا من الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون وجيء باسم الاشارة مسند اليه يمثل النكته التي تقدمت وقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على مفاد الاستثناء وهو ان توبتهم يعقبها رضى الله عنهم

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والستون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# ثواب التوبة النصوح

قال تعالى :{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر53 ] .

وهذه الآية  آية التائبين والعائدين إلى الله ، يبشرهم ربهم بأنه يقبل توبتهم ، ولا يقنطوا من رحمة ربهم فهو القريب السميع البصير الذي يسمع نجواهم ومناداتهم لربهم عند توبتهم ، ويقيل عثراتهم ، ويغفر ذنوبهم وزلاتهم وهي أرجى آية في كتاب الله تعالى

قال ابن تيمية:  

‏‏ المقصود هنا أن قوله‏:‏‏{‏‏يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏53‏]‏، فيه نهى عن القنوط من رحمة الله تعالى، وإنْ عَظُمَت الذنوب وكثرت، فلا يَحِل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عَظُمَت ذنوبه، ولا أن يُقَنِّط الناس من رحمة الله‏.

‏‏ قال بعض السلف‏:‏ إنَّ الفقيه كل الفقيه الذي لا يُؤْيِس الناس من رحمة الله، ولا يُجَرِّيهم على معاصي الله‏.

‏‏ والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له، إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول‏:‏ نفسه لا تطاوعه على التوبة، بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه، فهو ييأس من توبة نفسه، وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له، وهذا يعترى كثيرًا من الناس‏.‏

‏‏ وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعًا، وفيها رد على طوائف؛ رد على من يقول‏:‏ إن الداعي إلى البدعة لا تقبل توبته، ويحتجون بحديث إسرائيلي، فيه‏:‏‏(‏أنه قيل لذلك الداعية‏:‏ فكيف بمن أضللتَ‏؟‏‏)‏، وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث، وليسوا من العلماء بذلك،كأبي على الأهوازى وأمثاله،ممن لا يميزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة،وما يحتج به وما لا يحتج به، بل يَرْوون كل ما في الباب محتجين به وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه، وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعي إلى الكفر، وتوبة من فتن الناس عن دينهم‏.‏

وقد تاب قادة الأحزاب مثل‏:‏ أبى سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسُهَيْل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعِكْرِمة بن أبى جهل، وغيرهم بعد أن قُتِل على الكفر بدعائهم من قتل، وكانوا من أحسن الناس إسلامًا وغفر الله لهم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 38‏]‏‏.‏ وعمرو بن العاص كان من أعظم الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم‏‏ ‏"‏‏يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله‏؟‏‏"‏‏‏.‏

وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}‏‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 57‏]‏، قال‏:‏ كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم أولئك الجن، والإنس يعبدونهم ‏.

‏‏ ففي هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرهم بعد الإسلام لهم، وإن كانوا هم أضلوهم أولًا‏.

‏‏ وأيضًا، فالداعي إلى الكفر والبدعة، وإن كان أضل غيره، فذلك الغير يُعَاقَب على ذنبه؛ لكونه قَبِل من هذا واتبعه، وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم القيامة، مع بقاء أوزار أولئك عليهم، فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ولا ما حمله هو لأجْل إضلالهم، وأما هم فسواء تاب أو لم يتب، حالهم واحد، ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى، كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع، وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة‏.‏

وسحرة فرعون كانوا أئمة في الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير‏.‏ ومن ذلك توبة قاتل النفس‏.‏ والجمهور على أنها مقبولة‏.‏وقال ابن عباس‏:‏ لا تقبل‏. وعن أحمد روايتان‏.

وحديث قاتل التسعة والتسعين في الصحيحين دليل على قبول توبته، وهذه الآية تدل على ذلك‏.

‏‏ وآية النساء إنما فيها وعيد في القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}‏‏ ‏‏النساء‏:‏ 10‏، ومع هذا فهذا إذا لم يتب ‏.

‏‏ وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق الناس، فبأي وجه يكون وعيد القاتل لاحقًا به وإن تاب‏؟‏ هذا في غاية الضعف، ولكن قد يقال‏:‏ لا تقبل توبته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم بالقتل، بل التوبة تسقط حق الله، والمقتول مُطَالِبُه بحقه، وهذا صحيح في جميع حقوق الآدميين حتى الديْن، فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال "الشهيد يغفر له كل شيء إلا الديْن‏"‏‏ لكن حق الآدمي يُعْطَاه من حسنات القاتل‏.‏

فمن تمام التوبة، أن يستكثر مـن الحسنات حتى يكـون له ما يقابل حق المقتول، ولعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم الذنـوب بعـد الكـفر، فلا يكـون لصاحبـه حسنات تُقَابِل حق المقتـول، فلابد أن يبقى له سيئات يعذب بها، وهذا الذي قاله قد يقع من بعض الناس، فيبقى الكلام فيمن تاب وأخلص،وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم، هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به‏؟‏ وهذا موضع دقيق، على مثله يُحْمَلُ حديث ابن عباس، لكن هذا كله لا ينافي مُوجِب الآية، وهو أن الله تعالى يغفر كل ذنب؛ الشرك، والقتل، والزنا، وغير ذلك من حيث الجملة، فهي عامة في الأفعال مطلقة في الأشخاص‏.‏

ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا، والعقوبات التي تقام من حدٍّ، أو تعزير، إما أن يثبت سببها بالبينة، مثل قيام البينة بأنه زنا أو سرق أو شرب، فهذا إذا أظهر التوبة لم يوثق بها، ولو دُرِئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد، فإنه كل من تقام عليه البينة يقول‏:‏ قد تُبت، وإن كان تائبًا في الباطن، كان الحد مكفرًا، وكان مـأجورًا على صبره.....( المجلد السادس عشر من مجموع الفتاوي لابن تيمية)

 إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#لما دنا أجل رسول الله أمره الله بالتسبيح والإستغفار

قال تعالى : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا } (النصر - 3)

 قال القرطبى : قوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره اي اذا صليت فاكثر من ذلك وقيل معنى سبح صل عن ابن عباس بحمد ربك اي حامدا له على ما اتاك من الظفر والفتح واستغفره اي سل الله الغفران وقيل فسبح المراد به التنزيه اي نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك له واستغفره اي سل الله الغفران مع مداومه الذكر والاول اظهر       روى الائمه واللفظ للبخاري عن عائشه رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاه بعد ان نزلت عليه سوره {اذا جاء نصر الله والفتح }الا يقول : سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ، وعنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتاول القران وفي غير الصحيح وقالت ام سلمه كان النبي صلى الله عليه وسلم اخر امره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب الا قال " سبحان الله وبحمده استغفر الله واتوب اليه ، قال : فاني امرت بها ثم قرا اذا جاء نصر الله والفتح الى اخرها " وقال ابو هريره اجتهد النبي بعد نزولها حتى تورمت قدماه ونحل جسمه وقل تبسمه وكثر بكاوه وقال عكرمه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط اشد اجتهادا في امور الآخره ما كان منه عند نزولها ، وقال مقاتل :لما نزلت قراها النبي صلى الله عليه وسلم على اصحابه ومنهم ابو بكر وعمر وسعد بن ابي وقاص ففرحوا واستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ما يبكيك يا عم " قال نعيت اليك نفسك قال " انه لكما تقول " فعاش بعدها ستين يوما ما رئي فيها ضاحكا مستبشرا وقيل نزلت في منى بعد ايام التشريق في حجه الوداع فبكى عمر والعباس فقيل لهما ان هذا يوم فرح فقالا بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدقتما نعيتُ الي نفسي " وفي البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان عمر بن الخطاب ياذن لاهل بدر وياذن لي معهم قال فوجد بعضهم من ذلك فقالوا ياذن لهذا الفتى معنا ومن ابنائنا من هو مثله فقال لهم عمر انه من قد علمتم قال فاذن لهم ذات يوم واذن لي معهم فسالهم عن هذه السوره {اذا جاء نصر الله والفتح }فقالوا امر الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم اذا فتح عليه ان يستغفره وان يتوب اليه فقال ما تقول يا ابن عباس قلت ليس كذلك ولكن اخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم حضور اجله فقال :{ اذا جاء نصر الله والفتح }فذلك علامه موتك {فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا} فقال عمر رضي الله عنه: تلومونني عليه ،    وفي البخاري فقال عمر ما اعلم منها الا ما تقول ورواه الترمذي قال كان عمر يسالني مع اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن بن عوف اتسأله ولنا بنون مثله فقال له عمر انه من حيث نعلم فسأله عن هذه الآية {اذا جاء نصر الله والفتح } فقلت انما هو اجل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلمه اياه وقرا السوره الى اخرها فقال له عمر والله ما اعلم منها الا ما تعلم قال هذا حديث حسن صحيح فان قيل فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يومر بالاستغفار ، قيل له كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : (رب اغفر لي خطيئتي وجهلي واسرافي في امري كله وما انت اعلم به مني اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما اخرت وما اعلنت وما اسررت انت المقدم وانت الموخر انك على كل شيء قدير)  فكان صلى الله عليه وسلم يستقصر نفسه لعظم ما انعم الله به عليه ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا ويحتمل ان يكون بمعنى كن متعلقا به سائلا راغبا متضرعا على رؤية التقصير في اداء الحقوق لئلا ينقطع الى رؤية الاعمال ، وقيل الاستغفار تعبد يجب اتيانه لا للمغفرة بل تعبدا وقيل ذلك تنبيه لامته لكيلا يامنوا ويتركوا الاستغفار

   وقال ابن عاشور :  تقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لان التسبيح راجع الى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى ولان الحمد ثناء على الله لانعامه وهو اداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم فهو مستلزم اثبات صفات الكمال لله التي هي منشا انعامه على عبده فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد واما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لانه طلبه الله ان يعفو عما يواخذه عليه ومقتضى الظاهر ان يقول فسبح بحمده لتقدم اسم الجلاله في قوله اذا جاء نصر الله فعدل عن الضمير الى الاسم الظاهر وهو ربك لما في صفة رب واضافتها الى ضمير المخاطب من الايماء الى ان من حكمه ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الاسلام نعمة انعم الله بها عليه اذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته فذلك تكريم له وعنايه به وهو شان تلطف الرب بالمربوب لان معناه السياده المرفوقه بالرفق والابلاغ الى الكمال وقد انتهى الكلام عند قوله واستغفره وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في قراءته يقف عند واستغفره ثم يكمل السوره واستغفره انه كان تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الامر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك ، وتواب مثال مبالغه من تاب عليه وفعل تاب المتعدي بحرف على يطلق بمعنى وفق للتوبه اثبته في اللسان والقاموس وهذا الاطلاق خاص بما اسند الى الله وقد اشتملت الجمله على اربع موكدات هي :ان ،وكان ، وصيغه المبالغه في التواب ، وتنوين التعظيم فيه (موقع الألوكة)

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# الأمر بالتوبة

قال تعالى : { وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } (هود - 61)

    قال طنطاوي : الفاء فى قوله فاستغفروه ثم توبوا اليه للتفريع على ما تقدم اى اذا كان الله تعالى هو الذى انشاكم من الارض واستعمركم فيها فعليكم ان تخلصوا له العباده وان تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب ثم تتوبوا اليه توبه صادقه تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى من شرك وكفر وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله تعالى فى المستقبل ثم فتح امامهم باب الامل فى رحمه الله تعالى فقال {ان ربي قريب مجيب}  اى ان ربى قريب الرحمه من المحسنين مجيب لدعاء الداعين المخلصين فاقبلوا على عبادته وطاعته ولا تقنطوا من رحمه الله

    وقال ابن عاشور :  فرع على التذكير بهذه النعم امرهم باستغفاره والتوبه اليه اي طلب مغفرة اجرامهم والاقلاع عما لا يرضاه من الشرك والفساد ومن تفنن الاسلوب ان جعلت هذه النعم علة لامرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التعليل وجعلت علة ايضا للامر بالاستغفار والتوبة بطريق التفريع وعطف الامر بالتوبة بحرف التراخي للوجه المتقدم في قوله {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه }هود 51 في الآية المتقدمة وجملة { ان ربي قريب مجيب } استئناف بياني كانهم استعظموا ان يكون جرمهم مما يقبل الاستغفار عنه فاجيبوا بان الله قريب مجيب وبذلك ظهر ان الجملة ليست بتعليل وحرف ان فيها للتاكيد تنزيلا لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشك في قبول استغفاره والقرب هنا مستعار للرافة والاكرام لان البعد يستعار للجفاء والاعراض ، فكذلك يستعار ضده لضده والمجيب هنا مجيب الدعاء وهو الاستغفار واجابة الدعاء اعطاء السائل مسؤوله

#وقال تعالى : { وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ } (هود - 90)

   قال الطبرى : يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل شعيب لقومه استغفروا ربكم ايها القوم من ذنوبكم بينكم وبين ربكم التي انتم عليها مقيمون من عبادة الالهه والاصنام وبخس الناس حقوقهم في المكاييل والموازين ثم توبوا اليه يقول ثم ارجعوا الى طاعته والانتهاء الى امره ونهيه ان ربي رحيم يقول هو رحيم بمن تاب واناب اليه ان يعذبه بعد التوبة ودود يقول ذو محبه لمن اناب وتاب اليه يوده ويحبه

  وقال ابن عاشور : جملة {واستغفروا ربكم }عطف على جملة {لا يجرمنكم شقاقي }وجملة {ان ربي رحيم ودود } تعليل الامر باستغفاره والتوبة اليه وهو تعليل لما يقتضيه الامر من رجاء العفو عنهم اذا استغفروا وتابوا وتفنن في اضافة الرب الى ضمير نفسه مره والى ضمير قومه اخرى لتذكيرهم بانه ربهم كيلا يستمروا على الاعراض وللتشرف بانتسابه الى مخلوقيته والمعنى ان الله شديد المحبه لمن يتقرب اليه بالتوبة

وقال طنطاوي : المراد بالبعد في قوله {واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه ان ربي رحيم ودود } اى واستغفروا ربكم من كل ما فرط منكم من ذنب ثم توبوا اليه توبة صادقة نصوحا إن ربي ومالك امرى رحيم اى واسع الرحمة لمن تاب اليه ودود اى كثير الود والمحبة لمن اطاعه وهكذا نجد شعيبا عليه السلام وهو خطيب الانبياء يلون لقومه النصح وينوع لهم المواعظ ويطوف بهم فى مجالات الترغيب والترهيب

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#الاستجابة للأمر بالتوبة

قال تعالى : {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} الأحقاف - 1

    قال ابن كثير: هذا فيه إرشاد لمن بلغ أربعين سنة أن يجدد التوبة والإنابة إلى اللَّه عز وجل ويعزم عليها

ومن الفوائد : 1-   أهمية التوسل بالعمل الصالح، وكلّما كثّره العبد كان أرجى في الإجابة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾. - إن التوبة من الذنوب من أعظم أسباب قبول الدعاء : ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ .

إن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان، أو بالإسلام، وما أشبه ذلك، لا يُعدّ من الرياء، ولا سيما في الاتباع، بل يدلّ على الإقرار لله تعالى، والخضوع والتذلل له، وهذا من أعظم أنواع التوسل بالعمل الصالح؛ لأن الإسلام هو الاستسلام في ظاهر العبد، وباطنه لله رب العالمين .

2- ينبغي للعبد أن يجدد توبته، وإنابته إلى اللَّه خاصة إذا كمل أربعين عاماً ( الأنترنت  - موقع الكلم الطيب)

#وقال تعالى :{ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ (الأعراف - 143)

    قال الطبرى : يقول تعالى ذكره فلما ثاب الى موسى عليه السلام فهمه من غشيته وذلك هو الافاقه من الصعقه التي خر لها موسى صلى الله عليه وسلم " قال سبحانك " تنـزيها لك يا رب وتبرئه ان يراك احد في الدنيا  ثم يعيش  " تبت اليك " من مسالتي اياك ما سالتك من الرؤية " وانا اول المومنين " بك من قومي ان لا يراك في الدنيا احد الا هلك *

وقال البغوى :  فلما افاق موسى من صعقته وثاب اليه عقله عرف انه قد سال امرا لا ينبغي له قال سبحانك تبت اليك عن سوال الرؤيه وانا اول المومنين بانك لا ترى في الدنيا

    وقال ابن كثير :  قوله فلما افاق والافاقه انما تكون من غشي قال سبحانك تنزيها وتعظيما واجلالا ان يراه احد في الدنيا الا مات وقوله تبت اليك قال مجاهد ان اسالك الرؤيه وانا اول المومنين قال ابن عباس ومجاهد من بني اسرائيل واختاره ابن جرير وفي روايه اخرى عن ابن عباس وانا اول المومنين انه لا يراك احد وكذا قال ابو العاليه قد كان قبله مومنون ولكن يقول انا اول من امن بك انه لا يراك احد من خلقك الى يوم القيامه وهذا قول حسن له اتجاه

    وقال طنطاوي : وقوله وخر موسى صعقا اى سقط من هول ما راى من النور الذي حصل به التجلي مغشيا عليه كمن اخذته الصاعقه يقال صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق اى غشى عليه وقوله فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المومنين اى فلما افاق موسى من غشيته وعاد الى حالته الاولى التي كان عليها قبل ان يخر مغشيا عليه قال تعظيما لامر الله سبحانك اى تنزيها لك من مشابهه خلقك في شيء تبت اليك من الاقدام على السؤال بغير اذن وانا اول المومنين بعظمتك وجلالك او انا اول المومنين بانه لا يراك احد قال ابو العاليه قد كان قبله مومنون ولكن يقول انا اول المومنين انه لا يراك احد من خلقك الى يوم القيامه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# الله يغفر للذين إرتدوا بعد ايمانهم إذا تابوا

قال تعالى : {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) آل عمران

    قال الطبرى : ثم استثنى جل ثناوه الذين تابوا من هولاء الذين كفروا بعد ايمانهم فقال تعالى ذكره " الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا " يعني الا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن ايمانهم فراجعوا الايمان بالله وبرسوله وصدقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم " واصلحوا " يعني وعملوا الصالحات من الاعمال " فان الله غفور رحيم " يعني فان الله لمن فعل ذلك بعد كفره " غفور " يعني ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الرده فتارك عقوبته عليه وفضيحته به يوم القيامه غير مواخذه به اذا مات على التوبه منه " رحيم " متعطف عليه بالرحمه

وقال طنطاوي : لكن القران مع هذا يفتح باب التوبة لمن اراد ان يتوب وينهى الناس عن ان يقنطوا من رحمه الله متى تابوا وانابوا واصلحوا فيقول بعد تلك الحمله المرعبه التي شنها على الكفر والكافرين {الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم } اى ان اللعنه مستمره على هولاء الذين كفروا بعد ايمانهم وهم خالدون في العذاب يوم القيامه بدون امهال او تاخير الا الذين تابوا منهم عن الكفر الذي ارتكبوه وعن الظلم الذي اقترفوه واصلحوا ما افسدوه بان قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريق الحق وحافظوا على اداء الاعمال الصالحه فان الله تعالى غفور رحيم اى فانه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم من كفر وظلم ففي هذه الايه الكريمه اغراء للكافرين بان يقلعوا عن كفرهم وللمذنبين بان يثوبوا الى رشدهم وبان يتوبوا الى ربهم فانه سبحانه يغفر الذنوب جميعا لمن يتوب ويحسن التوبة فهو القائل {قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمه الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم وانيبوا الى ربكم واسلموا له } اما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يثوبون الى رشدهم بل يصرون على الكفر فيزدادون كفرا والذين يرتكسون في كفرهم وضلالهم حتى تفلت منهم الفرصه وينتهى امد الاختبار وياتى دور الجزاء فهولاء لا توبة لهم ولا نجاة .

    وقال ابن عاشور : ومعنى فان الله غفور رحيم الكناية عن المغفرة لهم قيل نزلت في الحارث بن سويد الانصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتد ولحق بقريش ،وقيل بنصارى الشام ، ثم كتب الى قومه ليسألهم هل من توبة فسالوا رسول الله فنزلت هذه الآية فاسلم ورجع الى المدينه وقوله فان الله غفور رحيم عله لكلام محذوف تقديره الله يغفر لهم لانه غفور رحيم

     ثم قال ابن عاشور : والاستثناء في قوله : { إلا الذين تابوا } حقه أن يعود إلى جميع ما تقدم قبله كما هو شأن الاستثناء عند الجمهور إلا أنه هنا راجع إلى خصوص عدم قبول شهادتهم وإثبات فسقـهم وغير راجع إلى إقامة الحد ، بقرينة قوله : { من بعد ذلك } ، أي بعد أن تحققت الأحكام الثلاثة فالحد قد فات على أنه قد علم من استقراء الشريعة أن الحدود الشرعية لا تسقطها توبة مقترف موجبها وقال أبو حنيفة وجماعة : الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة جرياً على أصله في عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة .

ومعنى أصلحوا } فعلوا الصلاح ، أي صاروا صالحين . فمفعول الفعل محذوف دل عليه السياق ، أي أصلحوا أنفسهم باجتناب ما نهوا عنه.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

أكد سبحانه انه يغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى

#وقال تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (82) } طه

  قال الطبرى : وقوله واني لغفار لمن تاب يقول واني لذو غفر لمن تاب من شركه فرجع منه الى الايمان  وآمن يقول وأخلص لي الألوهية ولم يشرك في عبادته إياي غيري وعمل صالحا يقول وادى فرائضي التي افترضتها عليه واجتنب معاصي ثم اهتدى يقول ثم لزم ذلك فاستقام ولم يضيع شيئا منه

    وقال ابن كثير : اي كل من تاب الي تبت عليه من اي ذنب كان حتى انه تعالى تاب على من عبد العجل من بني اسرائيل وقوله تاب اي رجع عما كان فيه من كفر او شرك او نفاق او معصية وقوله وآمن اي بقلبه وعمل صالحا اي بجوارحه وقوله ثم اهتدى قال علي بن ابي طلحه عن ابن عباس اي ثم لم يشكك وقال سعيد بن جبير ثم اهتدى اي استقام على السنه والجماعه

 وقال القرطبي : أي أقام على إيمانه حتى مات عليه ؛ قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما . وقال ابن عباس : أي لم يشك في إيمانه ؛ ذكره الماوردي والمهدوي . وقال سهل بن عبد الله التستري وابن عباس أيضا : أقام على السنة والجماعة ؛ ذكره الثعلبي . وقال أنس : أخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره المهدوي ، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس . وقول خامس : أصاب العمل ؛ قاله ابن زيد ؛ وعنه أيضا : تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل ؛ ذكر الأول المهدوي ، والثاني الثعلبي . وقال الشعبي ومقاتل والكلبي : علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا ؛ وقاله الفراء : وقول ثامن : ثم اهتدى في ولاية أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ قاله ثابت البناني . والقول الأول أحسن هذه الأقوال - إن شاء الله - وإليه يرجع سائرها . قال وكيع عن سفيان : كنا نسمع في قوله - عز وجل - : وإني لغفار لمن تاب أي من الشرك وآمن أي بعد الشرك وعمل صالحا صلى وصام ثم اهتدى مات على ذلك

    وقال طنطاوي : ثم فتح سبحانه باب الأمل لعباده فقال واني لغفار اى لكثير المغفرة لمن تاب من الشرك والمعاصى وآمن بكل ما يجب الايمان به وعمل صالحا اى وعمل عملا مستقيما يرضى الله تعالى ثم اهتدى اى ثم واظب على ذلك وداوم على استقامته وصلاحه الى ان لقى الله تعالى و{ثم }فى قوله {ثم اهتدى} للتراخى النسبى اذ ان هناك فرقا كبيرا بين من يتوب الى الله تعالى ويقدم العمل الصالح ويستمر على ذلك الى ان يلقى الله تعالى وبين من لا يداوم على ذلك

    وقال البغوى : قال ابن عباس تاب من الشرك وامن ووحد الله وصدقه وعمل صالحا ادى الفرائض ثم اهتدى قال عطاء عن ابن عباس علم ان ذلك توفيق من الله وقال قتاده وسفيان الثوري يعني لزم الاسلام حتى مات عليه قال الشعبي ومقاتل والكلبي علم ان لذلك ثوابا وقال زيد بن اسلم تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل قال الضحاك استقام وقال سعيد بن جبير اقام على السنه والجماعه

  وقال ابن عاشور : وجمله واني لغفار الى اخرها استطراد بعد التحذير من الطغيان في النعمه بالارشاد الى ما يتدارك به الطغيان ان وقع بالتوبة والعمل الصالح ومعنى تاب ندم على كفره وآمن وعمل صالحا وقوله ثم اهتدى ثم فيه للتراخي في الرتبه استعيرت للدلاله على التباين بين الشيئين في المنزله كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث ومعنى اهتدى استمر على الهدى وثبت عليه

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# الملائكة تدعوا للمؤمنين التائبين بالمغفرة

   قال تعالى : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)غافر

    قال ابن عاشور : صِيغةُ المضارع في { يسبحون } و { يؤمنون } و { يستغفرون } مفيدة لتجدد ذلك وتكرره ، وذلك مشعر بأن المراد أنهم يفعلون ذلك في الدنيا كما هو الملائم لقوله : { فاغفر للذين تابوا } وقوله : { وأدخِلهم جَنَّات عَدننٍ التي وعَدتَّهُم } [ غافر : 8 ] وقوله : { ومَن تَقِ السَّيِئات } [ غافر : 9 ] الخ وقد قال في الآية الأخرى { ويستغفرون لمن في الأرض } [ الشورى : 5 ] أي من المؤمنين كما تقدم .

وجملة { رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَحْمَة وعِلمَاً } مبيّنة ل { يستغفرون } ، وفيها قول محذوف دلت عليه طريقة التكلم في قولهم : { ربنا } . والباء في { بِحَمْد رَبهِم } للملابسة ، أي يسبحون الله تسبيحاً مصاحباً للحمد ، فحذف مفعول { يسبحون } لدلالة المتعلِّق به عليه . والمراد ب { الذين آمنوا } المؤمنون المعهودون وهم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم المقصود في هذا المقام وإن كان صالحاً لكل المؤمنين .

وافتتح دعاء الملائكة للمؤمنين  بالنداء لأنه  أَدخل في التضرع   وأَرجى  للإِجابة ،  وتوجهوا إلى الله بالثناء بسعة رحمته وعلمه لأن سعة الرحمة مما يُطمِع باستجابة الغفران ، وسعة العلم تتعلق بثبوت إيمان الذين آمنوا .

ومعنى السعة في الصفتين كثرة تعلقاتهما ، وذكر سعة العلم كناية عن يقينهم بصدق إيمان المؤمنين فهو بمنزلة قول القائل ، أنت تعلم أنهم آمنوا بك ووحّدوك .

وجيء في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة والعلم الواسع بأسلوب التمييز المحوَّل عن النسبة لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السعة إلى الذات ظاهراً حتى كأنَّ ذاته هي التي وَسِعَتْ ، فذلك إجمال يستشرف به السامع إلى ما يرِد بعدَه فيجيء بعده التمييز المبيِّن لنسبة السعة أنها من جانب الرحمة وجانب العلم ، وهي فائدة تمييز النسبة في كلام العرب ، لأن للتفصيل بعد الإِجمال تمكيناً للصفة في النفس كما في قوله تعالى :    { واشتعل الرأس شيباً } [ مريم : 4 ] . والمراد أن الرحمة والعلم وَسِعَا كل موجود ، الآن ، أي في الدنيا وذلك هو سياق الدعاء فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله سواء في ذلك المؤمن والكافر والإِنسان والحيوان . و { كُلَّ شيءٍ } كل موجود ، وهو عام مخصوص بالعقل بالنسبة للرحمة ، أي كل شيء محتاج إلى الرحمة ، وتلك هي الموجودات التي لها إدراك تدرك به الملائم والمنافر والنافع والضار ، من الإِنسان والحيوان ، إذ لا فائدة في تعلق الرحمة بالحَجر والشجر ونحوهما .

وأما بالنسبة إلى العلم فالعموم على بابه قال تعالى : { ألا يعلم من خلق } [ الملك : 14 ] .

وتَفَرع على هذه التوطئة بمناجاة الله تعالى ما هو المتوسَّل إليه منها وهو طلب المغفرة للذين تابوا لأنه إذا كان قد عَلم صدق توبة من تاب منهم وكانت رحمته وسعت كلَّ شيء فقد استحقوا أن تشملهم رحمته لأنهم أحرياء بها .

ومفعولُ { فاغفر } محذوف للعلم ، أي اغفر لهم ما تابوا منه ، أي ذنوب الذين تابوا . والمراد بالتوبة : الإِقلاع عن المعاصي وأعظمها الإشراك بالله

واتباع سبيل الله هو العمل بما أمرهم واجتنابُ ما نهاهم عنه ، فالإِرشاد يشبه الطريق الذي رسمه الله لهم ودلهم عليه فإذا عملوا به فكأنهم اتبعوا السبيل فمشَوا فيه فوصلوا إلى المقصود .

{ وَقِهم عذاب الجحيم } عطف على { فاغفر } فهو من جملة التفريع فإن الغفران يقتضي هذه الوقاية لأن غفران الذنب هو عدم المؤاخذة به . وعذاب الجحيم جعله الله لِجزاء المذنبين ، إلا أنهم عضدوا دلالة الالتزام بدلالة المطابقة إظهاراً للحرص على المطلوب . والجحيم : شدة الالتهاب ، وسميت به جهنم دارُ الجزاء على الذنوب .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

# وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ

قال تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }(26) (الشورى)

     قال ابن كثير : يقول تعالى ممتناً على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، أنه من كرمه وحلمه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر، كقوله عزَّ وجلَّ: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً}، وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أنَس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لَلّهُ تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)

    وقال القرطبي : قال ابن عباس : لما نزل قوله تعالى:{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده؛ فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم قد اتهموه فأنزل:    { أم يقولون افترى على الله كذبا} الآية؛ فقال القوم : يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. فنزلت: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}. قال ابن عباس : أي عن أوليائه وأهل طاعته. والآية عامة.

 { ويعفو عن السيئات} أي عن الشرك قبل الإسلام. {ويعلم ما تفعلون} أي من الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب، وهى قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون بالياء على الخبر،

واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه بين خبرين : الأول {وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة} والثاني {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.

وقال تعالى { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } التوبة

    قال السعدي في التفسير : { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي: أذن في توبتهم ووفقهم لها { لِيَتُوبُوا } أي: لتقع منهم، فيتوب اللّه عليهم، { إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ } أي : كثير التوبة والعفو ، والغفران عن الزلات والعصيان،    { الرَّحِيمُ } وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية.

وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها.

ومنها: لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.

ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر.

ومنها: أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة.

ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين.

ومنها: أن من لطف اللّه بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال: { خُلِّفُوا } إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده  وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: "تخلفوا".

وقال ابن عاشور : وقوله :  {ثم تاب عليهم } عطف على ضاقت عليهم الأرض وما بعده ، أي حتى وقع ذلك كله ثم تاب عليهم بعده . و { ثُم } هنا للمهلة والتراخي الزمَني وليست للتراخي الرتبي ، لأن ما بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق ، وهو مغن عن جواب ( إذا ) لأنه يفيد معناه ، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية ، وباعتبار المعطوف دال على الجواب واللام في { ليتوبوا } للتعليل ، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ويتنزهوا عن الذنب ، أي ليدوموا على التوبة ، فالفعل مستعمل في معنى الدوام على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر .

وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا ، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوبته عليهم . وجملة { إن الله هو التواب الرحيم } تذييل مفيد للامتنان .

قال الحسن رضي الله عنه :" يا سبحان الله ! والله ما أكلوا مالا حراما ولا أصابوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير والجهاد في سبيل الله وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن" فليست التوبة كلمات تقال ولا مشاعر عابرة بل هي حال تخالط القلب فتجعله في كل أحواله منيبا أوابا أواها عندئذ ينال ما وعده الله للمنيبين (وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)) [سورة ق]

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا

قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }

 قال الشيخ ابن باز : هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام، والمراد بهذا المجيء: المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله، ويطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم ولهذا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ } سورة النساء الآية 64. فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله. يعني الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } سورة التكوير الآية 29.. أما الإذن الشرعي فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا وأراد منهم ذلك شرعا وأمرهم به، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } سورة البقرة الآية 21.، وقال سبحانه: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سورة النساء الآية 26.، ثم قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ } سورة النساء الآية 64. أي تائبين نادمين لا مجرد قول، واستغفر لهم الرسول أي: دعا لهم بالمغفرة، لوجدوا الله توابا رحيما فهو حث لهم أي للعباد على أن يأتوا للرسول صلى الله عليه وسلم ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم؟ وليس المراد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كما يظنه بعض الجهال، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط، بل من أجل المسجد وتكون الزيارة لقبره صلى الله عليه وسلم، وقبر الصديق، وعمر رضي الله عنهما تابعة لزيارة المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى متفق على صحته، فالقبور لا تشد إليها الرحال، ولكن متى وصل إلى المسجد النبوي فإنه يشرع له أن يسلم عليه صلى الله عليه وسلم، ويسلم على صاحبيه رضي الله عنهما، لكن لا يشد الرحال من أجل الزيارة فقط للحديث المتقدم.

وأما ما يتعلق بالاستغفار: فهذا يكون في حياته لا بعد وفاته، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، وهم أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأفقه الناس في دينه، ولأنه عليه السلام لا يملك ذلك بعد وفاته، عليه السلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

وأما ما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه تعرض صلاته عليه فذلك شيء خاص يتعلق بالصلاة عليه، ومن صلى عليه صلى الله عليه بها عشرا، وقال عليه الصلاة والسلام: أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قيل: يا رسول الله كيف وقد أرمت؟ أي بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فهذا حكم خاص بالصلاة عليه. وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام، فهذا شيء خاص للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يبلغ ذلك، وأما أن يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر ويستغفر عند القبر فهذا لا أصل له، بل هو منكر ولا يجوز وهو وسيلة للشرك، مثل أن يأتي فيسأله الشفاعة أو شفاء المريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك، أو يسأله أن يدعو له فهذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ولا من خصائص غيره، فكل من مات لا يدعى ولا يطلب منه الشفاعة لا النبي ولا غيره، وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته، فيقال: يا رسول الله اشفع لي أن يغفر الله لي، اشفع لي أن يشفي الله مريضي، وأن يرد غائبي، وأن يعطيني كذا وكذا، وهكذا يوم القيامة بعد البعث والنشور، فإن المؤمنين يأتون آدم ليشفع لهم إلى الله حتى يقضي بينهم فيعتذر ويحيلهم إلى نوح، فيأتونه فيعتذر ثم يحيلهم نوح إلى إبراهيم، فيعتذر فيحيلهم إبراهيم إلى موسى، فيعتذر ثم يحيلهم موسى إلى عيسى، فيعتذر -عليهم جميعا الصلاة والسلام- ثم يحيلهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتونه فيقول عليه الصلاة والسلام: أنا لها أنا لها، فيتقدم ويسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه، ثم يقال له: ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع، فيشفع صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، وهكذا يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم موجود  أما في البرزخ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا يسأل الشفاعة ولا يسأل شفاء المريض ولا رد الغائب ولا غير ذلك من الأمور،

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والسبعون  في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#طريقة سهلة لعلاج المعاصي والذنوب والأحزان :

  قال الدكتور : عبد الدايم الكحيل : في هذه المقالة نحاول أن نستفيد معاً من الأفكار التي طرحها القرآن والأحاديث الصحيحة التي أخبر بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وربما كثير من القراء يجهل هذه المعلومات، أو يعرفها ولكن لا يعرف الطريقة العملية لتطبيقها، ولذلك سوف نعدّد أهم "التقنيات" للتغيير الناجح والابتعاد عن المعصية والتمتع بحياة إيجابية أفضل يملؤها رضا الله تعالى :

1- المحافظة على الصلاة

إن أهم عمل وأحب عمل إلى الله تعالى هو الصلاة، وهي مفتاح الخير وتركها يفتح أبواب الشر. ولكن بعض الناس يعتقدون أن المعصية تلغي أو تمحو العمل الصالح، وهذا الاعتقاد غير صحيح، بل العكس هو الصحيح، فالعمل الصالح هو الذي يلغي العمل السيء، لأن الله تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114]. فالحسنة تُذهب السيئة، وليس العكس.

أثبتت الدراسات العلمية أن الصلاة تعالج عشرات الأمراض المستعصية على رأسها آلام الرقبة وأسفل الظهر ويقول العلماء إذا أردتَ أن تقي نفسك من أمراض الدوالي وتصلب الشرايين ومرض الزهايمر فعليك بالمحافظة على الصلوات، ونحن ننصحك أخي المؤمن بالمحافظة على الصلوات لعلاج المعاصي والذنوب.

إذاً عندما تُبتلى بكثرة المعاصي فعليك بالصلاة لأنها خير وسيلة تساعدك على التخفيف من هذه المعاصي حتى تتركها نهائياً بإذن الله تعالى.

2- غض من بصرك

لقد أعطانا القرآن الكريم قاعدة ذهبية للوقاية من المعاصي قبل وقوعها، وهي غض البصر.

فكم من إنسان ابتُلي بالنظر الحرام  إلى النساء –وبخاصة في هذا العصر- ثم ارتكب الفاحشة وضيع وقته وماله ودينه وربما مات وهو مدمن على النساء!

ولذلك ننصحك أخي المؤمن أن تنوي منذ هذه اللحظة أن تغض بصرك عما حرم الله، وبخاصة أن العلماء أثبتوا أن النظر إلى النساء يضعف الذاكرة ويسبب مشاكل في نظام المناعة بالإضافة لمشاكل نفسية عديدة.

في بحث علمي جديد تبين للعلماء أن الإدمان على النظر الحرام إلى النساء يسبب أمراضاً عديدة، حيث يقوم الدماغ بإفراز هرمون الإجهاد بكميات كبيرة وبالتالي فإن تكرار النظر والتفكير في النساء بشهوة يسبب أمراض القلب وتصلب الشرايين وربما ارتفاع ضغط الدم، ولذلك نصيحتنا أن نتجنب المنكر بتجنب أهم سبب له، كما قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30].

3- الزم الاستغفار

للاستغفار سرّ غريب فهو أسهل عمل تقوم به لدرء المعاصي وإبدالها بالأعمال الحسنة التي يرضاها الله، فإذا أردتَ أن يفرّج الله همك وينجيك من المواقف الحرجة فالزم الاستغفار لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً)، ولا ننسى أن الله عز وجل يناديك باستمرار ويقول لك: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة: 186].

لقد كان النبي الأعظم وهو الذي جعله الله رحمة للعالمين، كان يستغفر الله سبعين مرة وفي رواية مئة مرة وذلك كل يوم! والأجدر بمن ابتُلي بالمعاصي أن يستغفر الله على الأقل سبعين مرة كل يوم، وهذا الذكر سوف يمنحك حالة من الإحساس بالقرب من الخالق عز وجل، وسوف تكره المعاصي تدريجياً.

صورة لخلية عصبية من الدماغ حيث يتم تخزين الأفكار، وقد أثبت علماء النفس أن الكلام الذي يقوله الإنسان ويكرره لمرات كثيرة يترك أثراً كبيراً في العقل الباطن، مما يؤدي إلى تغيير سلوك هذا الإنسان، وذلك حسب العبارات التي يرددها. وعبارة الاستغفار هي بمثابة رسالة قوية توجهها لنفسك لكي تقول لها: إن ما تأمرينني به خطأ وها أنذا أستغفر الله وأتوب إليه، وسوف لن أعود لما يغضب الله تعالى.

4- الإصرار على المعصية أخطر من المعصية

في أبحاث عديدة قام بها بعض الخبراء في البرمجة اللغوية العصبية وجدوا أن ما يفكر به الإنسان له دور كبير في سلوكه وتصرفاته وردود أفعاله. فعندما نجد شخصاً يفكر دائماً بالسرقة حتى يسيطر عليه هذا الإحساس فإنه لابد أن يمارس السرقة ولو مرة لأن الفكرة سوف تصبح حقيقة.

على العكس تماماً الإنسان الذي لا يفكر بالسرقة ويفكر دائماً بأن السرقة حرام وأن عقوبتها كبيرة جداً وأكبر من قيمة الشيء المسروق بكثير، فإنه لن يمارس السرقة ولو تم تعريضه لأقسى الظروف.

من هنا نستطيع القول بأن الإنسان الذي يقنع نفسه بأنه لن يعصي الله ولن يرتكب محرماً، فإن هذه الفكرة عندما تتعمق وتتأصل فإنها ستخفض الرغبة لديه بالمعصية، وسوف يجد نفسه محرجاً لمجرد التفكير بالمعصية، ومع مرور الزمن سوف يبتعد عن هذه المعاصي، ولن يستمتع بها أبداً.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والسبعون  في موضوع التوبة وهي إستمالاللماضية والتي هي بعنوان :

#طريقة سهلة لعلاج المعاصي والذنوب والأحزان :

5- اليقين بأن الله قادر على مغفرة الذنب

من أهم الأشياء النفسية التي ينبغي على المؤمن أن يقنع نفسه بها، أن الله تعالى قادر على كل شيء، قادر على أن يرزقك وأن يبعد عنك الشر وقادر على أن يعذبك أو يكرمك... وقادر على أن يغفر لك الذنوب مهما كانت عظيمة، ولن يكلفه ذلك شيئاً.

إن هذه القناعة لها أثر كبير في جلب الراحة النفسية للإنسان وإبعاده عن الاكتئاب واليأس. وتسهل لك طريق التوبة والبعد عن المعاصي. وربما نذكر قصة ذلك الرجل الذي أصاب ذنباً فقال: أي رب اغفر لي، فقال الله تعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ فيقول قد غفرت لعبدي، ثم يمكث هذا العبد فيصيب ذنباَ آخر وتتكرر القصة ذاتها مرات... في كل مرة يستغفر، وفي كل مرة يقول الله تعالى: عَلِمَ عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ فيقول قد غفرت لعبدي فليفعل ما يشاء!!

هذه هي رحمة الله، والله تعالى يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].

6- إياك واليأس من رحمة الله

تأملوا قصة سيدنا يوسف عليه السلام، هذا النبي الكريم قد مكر به إخوته وألقوه في غيابة الجب، ولكن الله تعالى لم يتركه وحيداً بل أنقذه وسخر له أسباب الملك، ولكن ماذا عن أبيه سيدنا يعقوب عليه السلام؟ لقد مضى على غياب يوسف سنوات طويلة ولكن الأب لم يفقد الأمل من الله عز وجل، وقال كلمة رائعة ينبغي أن نحفظها ونتذكرها في المواقف الصعبة، يقول تعالى على لسان يعقوب: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87].

لقد اعتبر أن اليأس من رحمة الله بمثابة الكفر بالله، فالذي عرف الله وأيقن بصفاته وقدرته لا ييأس منه أبداً. وإن أكثر ما يدمر الإنسان ليس المعصية ذاتها، بل الاعتقاد بأن الله لن يغفر الذنوب وأنه لا يمكن ترك المعصية، إذاً الإنسان قد يعصي الله ولكن الخطورة الاستمرار في هذه المعصية.

7- لماذا لا تشغل نفسك بعمل مفيد؟

من أكثر الأشياء المدمرة للذات هو الفراغ، فالشيطان يتسلل إلى عقلك في حالة فراغ الذهن ويوسوس لك لتفعل الشر، ويزين لك الأعمال السيئة لتراها حسنة، وبالتالي فإن أفضل طريقة لمنع الوساوس ودرء المفاسد أن تشغل وقتك بعمل مفيد تبتغي به وجه الله، وبخاصة حفظ القرآن.

فقد ثبت علمياً أن حفظ القرآن وتلاوته والاستماع لآياته ينشط خلايا الدماغ ويرفع النظام المناعي ويمنح المؤمن صحة نفسية وجسدية أفضل. ولذلك ننصحك أخي الحبيب أن تشغل وقتك بأعمال مفيدة مثل الدعوة إلى الله بأسلوب علمي حديث، من خلال نشر مقالة حول إعجاز القرآن قد تصادف من يحتا جها ويهتدي بها.

8-لا تدع الشيطان يتلاعب بك

الشيطان لديه أساليب متعددة للإغواء والإضلال، وينبغي ألا تترك له مجالاً ليعبث بك ويستخف عقلك ويوسوس لك. وربما يكون أهم أسلوب يستخدمه الشيطان لإبعادك عن طاعة الله والتوبة هو أنه يوسوس لك قائلاً: ما دمت تعصى الله فإن الله لن يقبل منك أي عمل صالح، والعمر أمامك طويل لتتوب توبة نهائية، ولكن الآن استغل فترة الشباب لتستمتع بالحياة...

والطريقة السهلة لعلاج ذلك أن تبادر بالتوبة إلى الله فوراً ومن دون أن تنتظر المستقبل، لأن الموت إذا جاء لا ينتظرك حتى تتوب! ويجب أن تخاطب نفسك قائلاً: أيتها النفس سوف أتوب إلى الله وأستغفره وهو القادر على المغفرة والهداية وهو القادر أن يخلصني من الأعمال السيئة وهو القادر على إبعاد المعصية عني.

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثمانون  في موضوع التوبة وهي إستكمالا للماضية والتي هي بعنوان : طريقة سهلة لعلاج المعاصي والذنوب والأحزان :

9-اكره المعصية

إياك أن تحب المعاصي أو تفتخر بها أو تعتبر أنها شيء حسن، وانظر معي إلى هذه الآية الكريم التي يقول فيها تبارك وتعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [فاطر: 8].  وكم من إنسان عصى الله فستره الله ثم بات يفضح نفسه ويتباهى بالمعصية!

ونصيحتنا أن تعتبر المعصية شيئاً قبيحاً ومكروهاً ويجرّ عليك الدمار والغضب من الله في الدنيا والآخرة، وأن تشعر بمراقبة الله تعالى لك في كل لحظة، فهذه وسيلة فعالة لترك المعصية وعدم الاقتراب منها.

تصور لو أن أحداً ثبت كاميرا تصور حركاتك وتسجل صوتك، فماذا عساك تفعل؟ هل تستطيع أن تخطئ والشريط يسجل كل حركة تقوم بها وسوف يراها الناس؟ فكيف إذا كان الله يراك ويعلم كل شيء عنك وهو معك وأقرب إليك من حبل الوريد! كيف بك إذا كان الله تعالى يعلم كل فكرة تخطر ببالك، حتى ما تختلسه من نظرات أو تخفيه في صدرك يعلمه الله، فهو القائل: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].

10-التأثير المذهل للصدقة

من الأشياء المهمة أخي المؤمن أن تلجأ إلى التصدق بشيء من المال على من يحتاجه، وبالتالي تعطي على قدر استطاعتك مخلصاً هذا العمل تبتغي به وجه الله وتنوي أن يهديك الله ببركة هذا العمل. وكم من قصة رأينا فيها مريضاً عافاه الله ببركة الصدَقة، وكم من عاصٍ هداه الله ببركه إطعام فقير أو إكرام الأقربين أو مساعدة المحتاج.

فإذا كنتَ ممن ابتلاهم الله بالمعاصي فعليك بالإكثار من الصدقة والعطاء وأن تنوي وأنت تتصدق على الفقراء أن يخلّصك الله من المعصية ويبعد عنك شر الشيطان ويبدلك أعمالاً صالحة، فالله تعالى يقول: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 114].

11-صادق صالحاً

   صادقوا الصالحين والأتقياء، فمثل الجليس الصالح كبائع المسك إما أن يعطرك أو تجد منه ريحاً طيباً أو أن تشتري منه عطراً. ومثل الجليس السيء كنافخ الكير الذي ينفخ النار عند الحداد، إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحاً خبيثاً أو أن يؤذيك.

ولذلك إذا كانت لديك معاصي لا تستطيع التخلص منها، ففتش بين أصدقائك عن جليس سيء وتخلص منه أو حاول أن تهديه إلى الطريق الصحيح. حاول التعرف على أصدقاء صالحين وتعمق علاقتك معهم وتدريجياً تقلل عدد أصدقائك السيئين. وهذه الطريقة تساعدك على التخلص من المعاصي بإذن الله.

12-أساليب أخرى

هناك طرق كثيرة للتخلص من المعصية مثل :

1=التفكر في خلق الله تعالى، فالله عز وجل يقول: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191]،

2=وينبغي علينا تذكر الموت والآخرة، وتدبر آيات وأحاديث العذاب فهي وسيلة لنتذكر الموت وبالتالي نوقن بأن الله تعالى سيحاسبنا على هذه المعاصي وأن المعصية ستكون سبباً في دخول جهنم.

3=وكذلك فإن الصبر عن المعصية من أهم أنواع الصبر، فللصبر أنواع كثيرة ربما يكون أصعبها أن تصبر عن المعاصي، أي تعتبر أن المعصية هي مرض وبلاء لابد أن يُذهبه الله عنك فتصبر وتحتسب وتفكر بالعودة إلى الله باستمرار. يقول تعالى: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [القصص: 54].

4=ومن الأساليب المهمة للتخلص من المعاصي التفكير بمخاطر وعواقب المعصية، فلماذا لا تضع مخططاً تحسب فيه العواقب الوخيمة للمعاصي. فعلماء النفس ينصحون بالتفكير بالنتائج السلبية للعمل السيء حتى تتمكن من ترك هذا العمل، يقول تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 90].

5=كذلك ينبغي أن نفكر بالنتائج الإيجابية لترك المعصية، وتأملوا معي هذه الآيات الرائعة التي تلخص لنا سر التخلص من المعاصي والسيئات والوسائل التي تدخلنا الجنة، عسى أن نكون منهم: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 20-24].

6=ويجب ألا ننسى أهمية الدعاء فإن الدعاء هو العبادة، وهو الطريق السهل لحل المشاكل أن تدعو الله وأنتَ موقن بالإجابة، يقول تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#خطر استعظام الذنوب:

بعض الناس يستعظمون الكم الهائل من الذنوب التي ارتكبها عبر عشرات السنين في الماضي وجاء الآن ليتوب، وقد ملأت تلك الذنوب نفسه وضاقت بها جوانحه وهو يريد الخلاص، فقد يقول: كيف يغفر الله لي؟ هذه أشياء عظيمة جداً، بل كثير من الناس يقول: أنا ما تركت بلية إلا فعلتها، وما تركت فاحشة إلا وأتيتها، ليس هناك حد من حدود الله إلا وانتهكته، كل ما تتصور ببالك من المعاصي والآثام أنا فعلتها، ماذا يمكن أن أفعل؟ هذه نفسية كثير من الناس يكتبونها برسائل أو يأتون يشافهون بها وهم في غاية الحرج، يقول: فعلنا وفعلنا.....

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل في الحديث الصحيح أيضاً: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة) إن الله عز وجل واسع المغفرة واسع الرحمة

قال تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } [طه:82]. وفي حديث أبي ذر : (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) سبحانه وتعالى ما أحلمه! وما أرحمه! ما أشد عفوه! وما أوسع مغفرته! لو قال إنسان: أعطني مثالاً واقعياً على أناس اشتدت بهم الفواحش ثم غفر الله لهم، نقول لك: مثل: حديث قاتل المائة نفس حادث عملي، وشيء وقع، شخص قتل مائة نفس قتلها كلها ظلماً وعدواناً، فهو معتد ظالم، وبعد ذلك يقول له العالم وليس العابد الجاهل: وما الذي يحول بينه وبين التوبة؟ نعم. لك توبة، ثم يتوب فيتوب الله عليه وتختصم فيه الملائكة فيكون من نصيب ملائكة الرحمة، وقد قتل مائة نفس والعلماء يصنفون الذنوب: الشرك ثم البدعة ثم قتل النفس ثم الفواحش الأخرى، قتل النفس عظيم، وقول ابن عباس رحمه الله فيه أنه خالد مخلد في جهنم، والعلماء لهم فيها أقوال بسطها ابن القيم رحمه الله في المدارج وغيرها ورجح فيها

#تبديل سيئات التائبين إلى حسنات:

قال تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70] فماذا تريد إذا تبت أكثر من أن يبدل الله سيئاتك حسنات؟ هذه السيئات كلها التي فعلتها في الماضي تنقلب إلى حسنات بالتوبة ليست فقط تغفر السيئات، وإنما تنقلب إلى حسنات، لكن ليس هذا فتح باب للشر ولا هو دفعٌ للناس أن نقول لهم أذنبوا واستكثروا من الذنوب، لأنها كلها ستنقلب إلى حسنات، لا. فهذا لا يمكن أن يحدث للعابين البطالين، كلا المسألة لها ضوابط وحدود، والدين ليس لعباً وهزوا، كلا: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً }[الفرقان:70] لاحظ الشروط: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وفي الآية الأخرى: ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] بعد ذلك تبدل السيئات حسنات.

وقال ابن القيم رحمه الله: إما أن تبدل بالسيئات حسنات من ناحية الصفة، يعني: أن يبدل الله بالشرك الإيمان، وبالزنا عفةً وإحصاناً، وبالكذب صدقا، وبالخيانة أمانة، هذا أحد المعاني: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]

ومن المعاني أيضاً: تبديل السيئات التي عملوها في الدنيا بحسنات يوم القيامة، وهذا الأخير قد يقل وقد يكثر، على حسب استقامة الشخص والأعمال الصالحة التي فعلها بعد ارتكاب تلك الفواحش. ومسألة رغبة الناس أن يكونوا عند الهداية قد مُسِح عنهم الماضي فهي رغبة عند كثيرين من مريدي التوبة، يريدون مسح الماضي بأي وسيلة، يعبر عن هذه النفسية الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه في صحيح مسلم قال: (فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي -غريب لماذا قبض عمرو يده؟- قال: ما لك يا عمرو ؟ -هل تراجعت؟- قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي  قال: يا عمرو ! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟)

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والثمانون في موضوع التوبة وأول عنوان فيها :

#طريقة لتكفير المعاصي:

    قال البخاري رحمه الله وساق بإسناده إلى ابن مسعود : إن رجلاً أصاب من امرأة قبلة  ؛ روى الإمام أحمد و مسلم قصة هذا الرجل: عن ابن مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان لوحدها، ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت ) (فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فذهب الرجل، فقال عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه؟ فأتبعه صلى الله عليه وسلم بصره ثم قال: ردوه علي، فردوه عليه، فقرأ عليه: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود:114] فقال معاذ : يا رسول الله! أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة)

#مكانة المذنب في المجتمع الإسلامي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه قال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان).

وحديث المرأة المخزومية وهذا طريق من طرق حديث هذه المرأة، فشأن هذه المرأة فيه فائدة مهمة، فقد سرقت المرأة المخزومية وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطع يدها، فكلم الناس أسامة أن يشفع عند الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وخطب خطبةً مهمة وقال القاعدة الإسلامية في هذا الموضوع وأمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة رضي الله عنها [فحسنت توبتها بعد  وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، انظر حسنت التوبة، فلما حسنت التوبة استقبل الصحابة المرأة هذه استقبالاً حسناً فوجدت مكاناً في المجتمع المسلم، فصارت تأتي إلى عائشة وتجلس عند عائشة وتزوجت وصلح حالها، و عائشة طبعاً ترفع أمرها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. إذاً: لولا أن المرأة وجدت مكانة في المجتمع هل كانت ستأتي وتجلس عند عائشة وتتحدث عندها، فحسن استقبال الصحابة للتائب هذا يؤدي إلى أن يكون التائب لبنة صالحة في المجتمع                     

وحتى في الردة في الحديث الصحيح عن ابن عباس قال: كان رجلٌ من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ ندم مع أنه ارتد، لكنه ندم، فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن فلاناً قد ندم وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة، فنزلت: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [البقرة:160]

#مسامحة المذنب إذا تاب:

قبل أن يصل الأمر إلى القاضي أو الحاكم، لو استطاع صاحب الحق أن يسامحه فليسامحه لأن هذا فيه توجيه نبوي للحديث عن أبي ماجدة قال: (كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود ، فقال: إني لأذكر أول رجلٍ قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فأمر بقطعه، فكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قطع اليد، فقال: يا رسول الله! كأنك كرهت قطعه، قال: وما يمنعني، لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حدٌّ ألا يقيمه إن الله عفوٌ يحب العفو: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]) حديث حسن السلسة الصحيحة رقم أربعة. إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم يحث الصحابة على المسامحة.

#النهي عن التعيير بالذنب:

يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا زنت أمة أحدكم، فليقم عليها الحد ولا يثرب) لا يثرب يعني: لا يعير، وورد عن بعض السلف قوله: "إن من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله"، وقال بعضهم: "لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك"، قال تعالى : {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [الإسراء:74] هذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقال له هذا الكلام، وقال يوسف: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف:33] وفي الحديث الصحيح: (إن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك) هذا تعدٍّ على حق من حقوق الله، من الذي يغفر؟ إنه الله عز وجل هو الذي يغفر

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والثمانون في موضوع التوبة وأول عناوينها :

#حكم التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره:

قد يسأل بعض الناس يقول: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ساق اختلاف العلماء: والذي عندي في المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه، وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح، كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر، فإن توبته من الربا صحيحة، لأن الربا ليس من نوع شرب الخمر، وأما إذا تاب من ربا الفضل وبقي مصراً على ربا النسيئة هل تقبل توبته؟ لأنه ما زال مصراً على نوع آخر من نفس المعصية، أو تاب من تناول الحشيشة

#رجوع التائب من المعصية إلى منزلته التي كان عليها قبل المعصية :

بعض الناس يفكر إذا تاب الآن هل يرجع أحسن مما كان عند الله أم أقل مما كان أم مثل ما كان، هذه المسألة ذكر فيها بعض أهل العلم أقوالاً، ولكن ابن القيم رحمه الله يقول: الصحيح التفصيل وهو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن من التائبين من لا يعود إلى درجته قبل الذنب، ومنهم من يعود إلى نفس الدرجة، ومنهم من يعود إلى درجة أعلى، وذلك بحسب الهمة، لو أن واحداً كان بمستوى معين من الطاعة، ثم أذنب وتاب، وهذه التوبة دفعته إلى مزيد من الأعمال أكثر من الأول، فإنه يرجع إلى درجة أعلى، وآخر تاب لكنه رجع إلى نفس المستوى من الطاعة، محت التوبة الذنب فاستمر على نفس الدرجة، وثالث تاب لكن الذنب شرخ شرخاً قلل الطاعة عنده فهو الآن يرجع إلى مستوى أقل مما كان عليه قبل الذنب، وداود عليه السلام رجع بعد التوبة إلى منـزلة أعلى من منـزلته قبلها لأن توبته كانت عظيمة. 

#" الخشية والخوف من الله من أسباب مغفرة الذنوب "

قال عقبة بن عمر لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني سمعته يقول : «إن رجلا كان فيمن كان قبلكم، أتاه الملك ليقبض روحه، فقيل له : هل عملت من خير ؟ قال : ما أعلم، قيل له : انظر، قال : ما أعلم شيئا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، وأجازيهم فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة» قال: وسمعته يقول : «إن رجلا حضره الموت، فلما يئس من الحياة، أوصى أهله - إذا أنا مت، فأجمعوا لي حطبا كثيرا وأوقدوا فيها نارا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت فخذوها فاطحنوها، ثم انتظروا يوما راحا : فاذروه في اليم ففعلوا، فجمعه الله، فقال له : لم فعلت ذلك ؟ قال : من خشيتك، فغفر الله له» قال عقبة بن عمرو : أنا سمعته يقول ذاك وكان نباشا .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 تأثر الحجر الأسود بالذنوب ، ثم التوحيد والاستغفار

إن الحجر الأسود مع صلابته وقساوته قد تأثر بذنوب بني آدم وخطاياهم، وكان عند نزوله من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم، كما ورد ذلك في الحديث المروي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن؛ فسودته خطايا بني آدم» (رواه أحمد والترمذي) .

أي صارت ذنوب بني آدم  سببا لسواده، والأظهر حمل الحديث على ظاهره وحقيقته إذ لا مانع نقلا ولا عقلا، وقال بعض الشراح، والمعنى : أن الحجر الأسود لما فيه من الشرف والكرامة وما فيه من اليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل الابيض منه أسودا فكيف بقلوبهم ، وفي الحديث : «إذا أذنب ابن آدم نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب نكتت فيه نكتة أخرى وهكذا حتى يسود قلبه جميعه ويصير ممن قال فيهم : " كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " (سورة المطففين: 14 )

    قال الحافظ ابن حجر : واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث فقال : كيف سودته خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة : لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحب الطبري : في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة : فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، وقوله صلى الله عليه وسلم : «إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع فاستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الرَّان الذي ذكره الله» .

أخي في الله : إذا كان هذا حال الحجر الصلد الصلب مع شدته وقساوته يتأثر من خطايا بني آدم فكيف بمضغة لحم لا يتأثر من الأوساخ الشركية والبدعية وبخطايا بني آدم ولا يُران عليه ؟ ثم كيف لا يحتاج إلى اغتساله وذهاب أوساخه بالاستغفار والتوبة إلى الله ؟ وفقنا الله لذلك آمين .

#" التوحيد والاستغفار "

يقرن كثيرا في القرآن بين التوحيد والاستغفار؛ لأن فيهما نفي النقص عن الخالق، والاعتذار من نقص المخلوق، فقوله : " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " فيه الاعتراف والإقرار بوحدانية الله عز وجل وتنزيهه عن النقائص والعيوب، ثم الاعتراف بظلم العبد نفسه بالخطايا والذنوب والاستغفار وأعظم مطلوب هو الله عز وجل، وأعظم ما يمدح به التوحيد الخالص، وذكر وحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فحسن تقديم هذا الثناء العظيم .

وقد ورد في الحديث : « أفضل الدعاء : لا إله إلا الله»أخرجه مالك في الموطأ فسئل بعضهم : كيف جعلها دعاء، وهي إثبات وتقرير ؟ فقال : إن من أثنى عليك فقد تعرض لك بالسؤال كما قال أمية بن أبي الصلت :

أأذكر حاجتي أم قد كفاني  *******  حباؤك إن شيمتك الحباء

إذا أثنى عليك المرء يوما   *******    كفاه من تعرضه الثناء

وقال تعالى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ " (سورة محمد: 19 ) فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وقدم التوحيد الذي هو أصل الأصول، وأمر بالاستغفار الذي هو سبب لحصول المحبوب، ودفع المرهوب، فمن عرف سر هاتين الكلمتين، لا إله إلا الله واستغفر الله أحبهما وأكثر منهما، وتعلق بهما، وأدمن من تكرارهما، وتعلم أسرارهما، وتفقه في معانيهما، وقضى وقته بين اعتراف بالجميل وإقرار بالمعروف لصاحبه تبارك وتعالى، وثناء عليه، وإيمانا بوحدانيته، بين تبرؤ من الحول والقوة والاعتراف بظلم النفس وقلة البضاعة، ورداءة المحصول، واتهام النية، والانكسار عن تذكر الخطيئة، ومقت الذات غاية المقت، ولوم النفس غاية اللوم على ما فرطت في جنب الله وأكثرت من مخالفة أوامر الله،  وعندما يحصل عفو الله ومغفرته ورضوانه، فما هطلت سحائب الرضوان إلا برضا الرحمن، والانكسار بين يديه، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه .

وذكر ابن أبي الدنيا زين بن أسلم قال : قال عثمان بن عفان –رضي الله عنه- : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا احتضر الميت فلقنوه لا إله إلا الله، فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة»، وقال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : "أحضروا موتاكم ولقنوهم : لا إله إلا الله وذكروهم، فإنهم يرون مالا ترون"(أخرجه عبدالرزاق : وابن أبي شيبة في مصنفة) .

قال العلماء : تلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون. وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله فيختم له بالسعادة وليدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»(أخرجه أبو داود من حديث معاذ ابن جبل –رضي الله عنه) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الخامسة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" الاستغفار بالقلب واللسان "

سئل الإمام ابن تيمية –رحمه الله : هل المراد ذكر الاستغفار باللفظ ؟ أو أنه إذا استغفر ينوي بالقلب أن لا يعود إلى الذنب ؟ وهل إذا تاب من الذنب وعزم بالقلب أن لا يعود إليه، وأقام مدة ثم وقع فيه أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثاني ؟ أو يكون مغفورا بالتوبة المتقدمة ؟ وهل التائب من شرب الخمر يشربه في الآخرة ؟ ويلبس الحرير في الآخرة ؟ فأجاب –رحمه الله :

الحمد لله .. بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما في الحديث الآخر: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار»، فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة، وإذا تاب منها غفرت , قال تعالى : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " (سورة آل عمران: 135 ) .

وإذا تاب توبة صحيحة غُفرت ذنوبه، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب أيضا، وإذا تاب قبل الله توبته أيضا .

وقد تنازع العلماء في التائب من الكفر، إذا ارتد بعد إسلامه، ثم تاب بعد الردة وأسلم هل يعود عمله الأول ؟ على قولين مبناهما أن الردة هل تحبط العمل مطلقا، أو تحبطه بشرط الموت عليها .

1- فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقا .

2- ومذهب الشافعي أنها تحبطه بشرط الموت عليها.

والردة ضد التوبة، وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات إلا الردة، وقد قال تعالى : " تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا " (سورة التحريم : 8 ).

قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : "توبة نصوحا": أن يتوب ثم لا يعود، فهذه التوبة الواجبة التامة , ومن تاب من شرب الخمر، ولبس الحرير، فإنه يلبس ذلك في الآخرة ، كما جاء في الحديث الصحيح : «من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها» .

وقد ذهب بعض الناس كبعض أصحاب أحمد: إلى أنه لا يشربها مطلقا، وقد أخطأوا والصواب الذي عليه جمهور المسلمين (الاستغفار أهميته، ابن تيمية) .

#" صيغ الاستغفار "

- "رب اغفر لي وتب علي". "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه".- "استغفر الله سبحان الله وبحمده".

-  "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، إلهي لا إله إلا أنت".

- "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته".

- اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".

- "أستغفر الله وأتوب إليه" (مائة مرة في اليوم)(رواه البخاري ومسلم) (هذا الحديث ما تفرد به كل واحد منهما عن الآخر، فحديث البخاري من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- ويلفظ "والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه، في اليوم أكثر من سبعين مرة". والله أعلم) صحابي الحديث هو الأغر بن يسار المزني –رضي الله عنه- قوله : "استغفر الله وأتوب إليه" ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة .

وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم، وهل الاستغفار يستدعي وقوع معصية ؟ وأجيب بعدة أجوبة:             منها قول ابن بطال رحمه الله : الأنبياء أشد اجتهادا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير، أي : أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكره ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، والله أعلم .

قال العلماء : الاستغفار المطلوب، هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السادسة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" سيد الاستغفار "

عن شداد بن أوس –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فأغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها بالنهار موقنا بها فمات قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها. فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة»(صحيح البخاري) .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لزم الاستغفار جعل الله من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب»(رواه أبي داود) .

قال الطبي : لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور .

قوله : «وأنا على عهدك ووعدك» قال الخطابي : يريد أنا على ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان وإخلاص الطاعة لك ما استطعت انتهى.. يريد بذلك قوله تعالى : " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ "(سورة الأعراف: 172 ) .

قال الحافظ : وفي قوله : «ما استطعت» إعلام لأمته أن أحدا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله ولا الوفاء بكمال طاعة الله، والشكر على النعم، فرفق الله بعباده ولم يكفلهم من ذلك إلا وسعهم .

قال ابن أبي جمرة: جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني، وحسن الألفاظ ما يحق أن يسمى به سيد الاستغفار .

ففيه : الإقرار لله وحده بالألوهية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا الله (تطريز رياض الصالحين، فيصل بن عبد العزيز آل مبارك) .

ومعلوم لدينا أن باب طلب المغفرة من الغفور الكريم سبحانه مفتوح لعبده في كل وقت، بيد أن أفضل وقت للاستغفار والتوبة من الذنب هو أقرب وقت بعد وقوع الذنب، وعلى الإنسان ألا يَغره طول الأمل، يقول الله تعالى : " إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " (سورة النساء: 17-18 ) .

ومن أفضل الأوقات للاستغفار الثلث الأخير من الليل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ينزل ربنا عز وجل حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فاستجب له، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر» .

ومن كمال الاستغفار اتباع السيئة الحسنة، عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اتق الله حيث ما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها» (رواه الترمذي) .

الاستغفار هنا من الذنوب التي تكون بين العبد وربه، أما الذنوب المتعلقة بالعباد فلابد من استبراء العباد منها .

قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث : كيف الاستغفار؟ قال : تقول : "استغفر الله" .

«رب إني ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي، وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» (ذكر الله، وائل يوسف محمد الدسيماني) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة السابعة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" مفاتيح المغفرة "

للمغفرة مفاتيح نذكر منها ما يلي :  أولا : آمين خلف الإمام :

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أمنَّ الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة : غفر له ما تقدم من ذنبه»

* ثانيا : اللهم لك الحمد بعد الرفع من الركوع :

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده، فقولوا : الله ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة : غفر له ما تقدم من ذنبه»

* ثالثا : الدعاء الوارد بعد الفراغ من الطعام :

روى الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه»

* رابعا : التسبيح دبر الصلوات :

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعونه، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (رواه مسلم) .

* خامسا : سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة :

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (رواه البخاري ومسلم) .

* سادسا : عند الوضوء :

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة كانت مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب» (رواه مسلم) .

* سابعا : عند سماع المؤذن :

عن سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من قال حين يسمع المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه» (رواه مسلم) .

*8-الإجتماع لذكر الله

عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، وقد بدلت سيئاتكم حسنات» (رواه أحمد) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثامنة والثمانون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" الاستغفار والذكر دبر كل صلاة "

يُسن ذكر الله والاستغفار عقب الصلاة المكتوبة كما ورد في الأخبار فيقول استغفر الله ثلاث مرات ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام (رواه الجماعة إلا البخاري) .               كما ورد عن ثوبان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال : «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» .

ومما ورد من الذكر : ما روى عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون , قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة (رواه أحمد ومسلم) .

وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ,  اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (متفق عليه) .

ويسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، كما في الصحيحين من رواية أبي صالح السمان عن أبي هريرة –رضي الله عنه- مرفوعا تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتمام المائة –لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويعقده بيد وبيد الاستغفار أي يضبط عدده بأصابعه .

وعن معاذ بن جبل –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أحمد وأبو داود والنسائي) .

وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت»، رواه النسائي وصححه ابن حبان وزاد فيه الطبراني «وقل هو الله أحد» وعنه قال ما دونت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في دبر مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول : اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم انعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي صالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت.

الانتهاء من الصلاة والجلوس في المصلى والتسبيح وقراءة آية الكرسي واستغفار الملائكة للمصلي، يا له من فضل عظيم، ونعم متتالية، فضل من الله ونعمة يتمتع بها المصلي .

ينطلق المسلم من صلاته منشرح الصدر شاكرا لعظيم نعمه، مستبشرا بفضله، طامعا في رحمته وجنته .

فإذا كنت ذا لُبٍّ –وأنا على يقين بذلك- غيِّر نفسك وسلوكك واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، والله سيعصمك ويُغير أحوالك، فكما تتغير الصحراء القاحلة إلى روضة غناء وكل ذلك بقدرته سبحانه- فهو قادر على أن يغير أحوالك إذا صدقت معه، وسيقبل توبتك، فمن صفاته سبحانه أنه تواب رحيم، وأنه غفور رحيم .

لقد نادى الله النصارى ودعاهم إلى التوبة وقد أدعّو الولد له –تعالى عما يشركون- فقال جل في علاه : " أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (سورة المائدة : 74 ) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التاسعة والثمانون في موضوع التوبة وأول عنوان فيها :

اصناف الناس في فعل الطاعات والسيئات ثلاثة :

1- فمنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات، ويكف عن ارتكاب المعاصي وهذا أكمل أحوال أهل الدين، وأفضل صفات المتقين .

2- ومنهم من يمتنع من فعل الطاعات، ويقدم على ارتكاب المعاصي، وهذا أخبث أحوال المكلفين، وشر صفات المتعبدين .

3- ومنهم من لا يستجيب إلى فعل الطاعات، ولا يكف عن ارتكاب المعاصي، فهذا يستحق عذاب الله –جلا وعلا .

فاختر لنفسك عبد الله الصنف الأول؛ لأن هذا أكمل أحوال أهل الدين وصفات المتقين ويقول تعالى  : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ " (سورة فاطر : 32 ).

فالتوبة والاستغفار انفع ما تكون حال نزول البلاء فإنها من أسباب نزول الرحمة، ولذلك ذكر الله جل وعلا عن نبيه يونس –عليه السلام- توبته لما اشتد به البلاء وهو في بطن الحوت قال تعالى : " فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " (سورة الزمر : 53 ). فالاستغفار يقلب المحنة إلى منحة، والرزية إلى عطية، والغمة إلى رحمة، وبه يفتح الله الأرزاق، ويدفع الكروب، ويمسح دموع الأحزان .

 للاستغفار مواطن وأحوال

1- يكون عند الذنب :

وهذا من آكد المواضع؛ لأنه اعتراف من المذنب بذنبه وعلامة له على عدم إصراره، فهو يسأل الله أن يمحو أثره ويغسل درنه، قال تعالى : " وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا " (سورة النساء : 110 )، وقال أيضا : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " (سورة آل عمران : 135-136 ) .

ولقد فعل ذلك أطهر البشر وأفضلهم وهم رسل الله وأنبيائه كآدم وزوجه، وموسى ويونس –عليهم السلام- وهذا الاستغفار بعد الذنب يجعل القلب صقيلا فلا تعلق فيه أدران المعاصي.لذا لابد للعبد أن يسرع في التوبة من الذنب والاستغفار منه قبل أن يكتبه عليه الملك؛ لأن العبد يُمهل بعد الذنب ست ساعات فإن ندم واستغفر وإلا كتب عليه صاحبُ الشمال تلك الخطيئة فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة»(صحيح الجامع) .

2- ويكون بعد الفراغ من المجلس :

جاء في الحديث : «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، واستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» (صحيح الجامع) .

3- وكذلك بعد الطاعات :

كما ذكرنا كالصلوات والحج والوضوء كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم : «من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق، ثم جعل في طابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة» (صحيح الجامع) .

4- وأثناء الطاعات :

فأدعية الصلاة كثيرا ما يرد فيها الاستغفار ففي دعاء الاستفتاح وبين السجدتين وفي الركوع وفي السجود بعد الإتيان بالذكر المشروع، وحين سأل أبو بكر –رضي الله عنه- النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في الصلاة أمره أن يقول : «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فأغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .

5- وكذلك في بداية النهار وآخره (الغداة والعشي) :

يشرع للعبد أن يأتي بسيد الاستغفار فلا يقولها احد حين يمسي فيأتي عليه قَدَرٌ قبل أن يصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يصبح فيأتي عليه قَدَرٌ قبل أن يمسي إلى وجبت له الجنة»(صحيح الجامع) .

   إن الاستغفار يبعث النشاط والصحة في القلب، فالقلب إذا كان سليما نشيطا على الطاعة بعيدا عن الآثام والذنوب؛ كان حيا رقيقا أبيضا نقيا تؤثر فيه أدنى موعظة، وينشط لأشق طاعة ـ وإن كان ليس في الطاعات بحمد الله مشقة ـ

والله سبحانه وتعالى يرفع عن الأمة المستغفرة حيث قال تعالى : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " (سورة الأنفال : 33 ) . إذاً فعلينا بلزوم الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار في السر والجهار، وابشروا بالخير الوافر والمنزل الكريم الزاهر فلقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا» (فضائل الأعمال) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة التسعون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

 الاستغفار حاجة دائمة للعبد

قال ابن تيمية: الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإن العابد لله، والعارف بالله، في كل يوم بل في كل ساعة، بل في كل لحظة يزداد علما بالله، وبصيرة في دينه وعبوديته، بحيث يجد ذلك في طعامه، وشرابه، ونومه، ويقظته، وقوله، وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية، وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار أناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد، لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية واليقينية الإيمانية .

وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة أن لا إله إلى الله، من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكل عالم مقام معلوم , فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تُذهب الشرك كله، دقه وجله، خطأه وعمده، أوله وآخره، سره وعلانيته، وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه .

والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته، ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك، فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول : لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول : استغفر الله فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه، ولإخوانه من المؤمنين .

#" الاستغفار بركات الدين والدنيا "

روى أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «قال إبليس : يا رب وعزتك لا أزال أغوى عبادك ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال الله : (وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني)

فطوبى لمن عرف أنه له غفورا رحيما يقبل عباده إذا أقبلوا إليه نادمين، وطرقوا بابه باكين مستغفرين لأنفسهم وللمؤمنين والمؤمنات

   الاستغفار مع الإقلاع عن الذنوب سبب للخصب والنماء وكثرة النسل وزيادة العزة والمنعة وفي دعوة نوح –عليه السلام- قومه ونصحه لهم نسمع الله عز وجل يقول: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا"(سورة نوح: 10-12 ).

ففي الإيمان رحمة بالعباد وفي الاستغفار بركات الدين والدنيا، وفي الحديث : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حث لا يحتسب» .

فما أعظم بركات الاستغفار، به تستنزل الرحمات، وتبارك الأرزاق، وتكثر الخيرات، ويعطى الله الأموال والبنين ويغفر الذنوب ويمنح القوة والسداد والرشاد، وفي الحديث : «ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له» .

فمن ثمرات الاستغفار وبركاته أنه يكون سببا في أن يمتع الله المستغفرين بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلهم بالعذاب كما فعل بالأمم التي عاندت وأصرت على الكفر، ولذا حذر الله سبحانه من الإصرار على الشرك بعد الحث على الاستغفار .

فالاستغفار من أهم وأعظم أسباب الرزق، ففي حكاية عن نبيه هود –عليه السلام- يقول تعالى : " وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ " (سورة هود: 52 ) ويا قوم : أسألوا الله أن يغفر ذنوبكم، ثم اهجروا الذنوب، واندموا على ما سلف من المعاصي، فإذا فعلتم ذلك، وصحت منكم الإنابة أنزل الله عليكم الغيث المدرار، فيكثر الخيرات، ويعم الرخاء، وتنعمون برغد في العيش، ويزدكم قوة إلى قوتكم بصحة الأجسام، وكثرة الذرية والأموال، وتتابع الأرزاق، ولا تعرضوا عن الاستجابة ولا تصروا على الذنوب، وتستكبروا عن قبول الحق، وفي الآية بركة الاستغفار والتوبة، وأنهما أصل كل خير في النفس والجسم والمال والولد.

وقد تمسك أمير المؤمنين عمر –رضي الله عنه- بما جاء في هذه الآيات عن طلبه المطر من الرب – عز وجل- فقد روى مطرف عن الشعبي أن عمر –رضي الله عنه- خرج يستسقى بالناس فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فقيل له : "ما سمعناك استسقيت" فقال : طلبت الغيث بمجاديع (مفردها مجدع وهو نجم من نجوم السماء) السماء التي يتنزل بها القطر ثم قرأ : " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا " (التداوي بالاستغفار، حسن همام) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الواحدة والتسعون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" الاستغفار يفتح الأقفال "

يقول ابن تيمية –رحمه الله : إن المسألة لتغلق عليّ، فاستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل، فيفتحها الله علي وإن من أسباب راحة البال، استغفار ذي الجلال .

رب ضارة نافعة، وكل قضاء خير حتى المعصية بشرطها فقد ورد في المسند : لا يقضي الله للعبد قضاءا إلا كان خيرا له .

قيل لابن تيمية : حتى المعصية ؟ قال : نعم، إذا كان معها التوبة والندم والاستغفار والانكسار : " وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا " (سورة النساء : 64 ) .

قال تعالى : " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " (سورة آل عمران : 140 ) وقال تعالى :" كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا " (سورة النازعات : 46 ) .

عجبت لعظماء عرفهم التاريخ، كانوا يستقبلون المصائب كأنها قطرات الغيث، أو هفيف النسيم، وعلى رأس الجميع سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو في الغار، يقول لصاحبه : " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا "، وفي طريق الهجرة، وهو مطارد مشرد يبشر سراقة بأنه يُسوَّر سواري كسرى .

بشرى من الغيب ألقت في فم الغار***وحيا وأفضت إلى الدنيا بأسرار

وفي بدر يثب في الدرع صلى الله عليه وسلم وهو يتلو قوله تعالى : " سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ " (سورة القمر : 45 ) .

أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة*** أدبت في هول الردى أبطالها

وفي غزوة أحد –بعد القتل والجراح- يقول للصحابة : «صفوا خلفي، لأثني على ربي»، إنها همم نبوية تنطح الثريا، وعزم نبوي يهزم الجبال .

قيس بن عاصم المنقري من حلماء العرب، كان محتبيا يكلم قومه بقصة، فأتاه رجل فقال : قُتل ابنك الآن، قتله ابن فلانة فما حلَّ حبوته، ولا أنهى قصته، حتى انتهى من كلامه، ثم قال : غسلوا ابني وكفنوه، ثم آذنوني بالصلاة عليه : " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ " (سورة البقرة : 177

وعكرمة بن أبي جهل يعطي الماء في سكرات الموت فيقول : أعطوه فلانا لحارث بن هشام فيتناولونه واحدا بعد واحد، حتى يموت الجميع .

قال الشاعر :

إذا قُتلوا ضجت لمجد دماؤهم  *** وكان قديما من مناياهم القتل

وإنما رجل الدنيا وواحدها    *** من لا يعول في الدنيا على رجل

#" استغفر بصدق ولا تعجز "

الناس في أمر الاستغفار أصناف ثلاثة :

* الصنف الأول :صنف صادق مع الله في طلب الغفران فهو يعقد العزم على الإقلاع عن الذنب بقلبه ثم يلهج ذلك بلسانه سائلا مولاه العفو والمغفرة، وكلما عاد إلى الذنب لغلبة طبعه أو غفلة أو نسيان أو ضعف في نفسه ـ وهذا حال أكثر المستغفرين الصادقين ـ عاد للإستغفار

* الصنف الثاني : صنف كاذب في استغفاره يلهج به باللسان بينما يضمر الإصرار على المعصية في الجنان قال الفضيل بن عياض –رحمه الله- : " استغفار بلا إقلاع، توبة الكذابين "، ويقاربه ما جاء عن رابعة العدوية : " استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير " .

وسئل صهل عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال : " أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة، ثم التوبة، فالاستجابة أعمال الجوارح، والإنابة أعمال القلوب، والتوبة إقباله على مولاه، بأن يترك الخلق ثم يستغفر الله من تقصيره الذي هو فيه "

  وقال ابن رجب : " فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة في قوله تعالى : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"(سورة آل عمران : 135 )

* الصنف الثالث : فهو الصنف المعرض عن الاستغفار، إما بسبب غفلة، أو بسبب يأس من حاله وخوفه من معاودة المعصية .

وهذا الصنف اليائس من رحمة الله يجهل مدى سعة مغفرة الله جل وعلا ورحمته ولو فقه ذلك لما تخلف قط عن الطمع في عفوه وستره ورحمته . قال تعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (سورة الزمر : 53 ) .

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم» .

ولقد يدخل الشيطان خلال ذلك فيمنعه من الاستغفار لما يعلم من أن الله تعالى يغفر للمذنبين كلما استغفروا، وفي الحديث عن أبي سعيد –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (رواه الحاكم) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثانية والتسعون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" يا معشر النساء "

عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» قالت امرأة منهن : مالنا أكثر أهل النار ؟ قال : «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت : ما نقصان العقل والدين ؟ قال : «شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي» (رواه مسلم)

وقوله : وتكفرن العشير أي : تنسين معروف الزوج وجميله , وفي الحديث الآخر:«لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا يسيرا قالت: ما رأيت منك خيرا قط».

قوله : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب مكن» اللب : العقل الخالص وذلك لعظم كيدهن، وقوة حيلهن. قال تعالى : " إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ " (سورة يوسف : 28 ) .

وفي الحديث : استحباب وعظ النساء، وتعليمهن أحكام الإسلام وتذكيرهن بما يجب عليهن وحثهن على الصدقة والاستغفار .

وفيه : أن الصدقة والاستغفار من دوافع العذاب .

وفيه بذل النصيحة والإخلاص فيها لمن احتيج في حقه إلى ذلك، وفيه جواز طلب الصدقة للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين  .

أما قوله صلى الله عليه وسلم : «وأكثرن من الاستغفار» دليل على أن الاستغفار سبب في نجاة المرأة عما يكون قد بدر منها من سوء العشرة الزوجية أو ما ارتكبته من خلل أو خطأ في حق زوجها وفيه دلالة أيضا على أن الاستغفار سبب في النجاة من النار يوم القيامة .

#" المواعظ في الاستغفار "

الاستغفار إذا كثر من الأمة، وصدر عن قلوب موقـنة مخلصة، دفع الله عنها ضروبا من النقم والشرور العامة فعن مالك بن دينار أنه قال : كان الأبرار يتواصون بثلاث : سجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة عن القوم .

* وقال عالم : أربعة أشياء من العبد وأربعة من الرب : الشكر من العبد والزيادة من الرب، والطاعة من العبد، والقبول من الرب، والدعاء من العبد، والإجابة من الرب، والاستغفار من العبد، والغفران من الرب .

* وسئل عبد العزيز بن أبي رواد : ما أفضل العبادة ؟ قال : طول الحزن في الليل والنهار، وكثرة الاستغفار .

* وقيل لعالم : ما علامة سعادة العبد ؟ قال خروجه من ضيق الإصرار على الذنب وولوجه في سعة الاستغفار .

* وقال إبراهيم بن أدهم : كثير الخير قليل وكثيرالشركثير، وأعلم أن الجهل مغنم، والذم مغرم، والاستغفار ملجأ .

* وقيل لمالك بن دينار : فيك سياسة وهيبة ولست بملك ولا أمير فمن أين هذا لك ؟ .

* قال : بأكل الحلال، والأمن بالرزق، والرضا بالقضاء، والإخلاص في العمل، والصبر على الشدة، والشكر عند النعمة، والتقى عند الشبهة، والاستغفار عند الخطيئة .

* وحكي أنه رؤي بعض الصالحين في النوم، فسئل عن حاله فقال : نجوت بعد كل جهد ، قيل : بأي الأعمال وجدت النجاة ؟ قال : بالبكاء من خشية الله، وطول الاستغفار .

* وحكي أنه قال بعض المريدين لواعظ: اذكرني في صالح دعائك قال : أذكر ذنبك وتب واستغفر، فإن الله تعالى يقول : " اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا " (سورة نوح : 10 ) .

* وحكي عن إبراهيم بن أدهم : أنه قال : مثلت نفسي في الجنة كأني أكلت من طعامها، وعانقت حواريها، ومثلت نفسي في النار كأني أكلت من ضريعها وعالجت أغلالها، فقلت لنفسي : ما تشتهين الآن ؟ قالت : أرجع إلى الدنيا فأتوب واستغفر قلت فمن مثلك إذا أعطيت سؤلك ؟ فقومي الآن فتوبي واستغفري :

لا تنس ذنبك إن الله ساتره  *****  واستغفر الله من ذنب تباشره

كم من هوى لك مقرون بمعصية ****  وأصبحت تركبه الله غافره

#" إني منهمك في الذنوب "

قيل : جاء شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أن أُعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله سبحانه ؟ فأنزل الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا " (سورة النساء :  116 ) .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الثالثة والتسعون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#" أهل العفو وأهل المغفرة وأهل الرحمة "

يعامل الله عز وجل الأمة المحمدية على درجات ثلاث :

أهل العفو وأهل المغفرة وأهل الرحمة ؛ فأما أهل العفو فهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وإمامهم الصديق أبو بكر –رضي الله عنه-

وأما أهل المغفرة فهم الذين كانت لهم هفوات وماتوا من غير توبة، يستلمون الكتاب بأيمانهم ويفتحونه فإذا النور، فتبيض وجوههم، فيطالعون الكتاب فيجدون بعض الهفوات، فيظنون الهلاك، فيخاطبهم الحق في سرهم : سترتها عليكم في الدنيا واليوم أغفرها لكم ولا أبالي

 وأما أهل الرحمة فهم الذين لهم ذنوب كثيرة فيرحمهم الله بسبب أفعال صالحة عملوا بها في الدنيا .

#" ومن أصدق من الله قيلا "

يقول الداعية خالد السلطان : في ليلة من ليالي التشريق "أيام الحج" وبالقرب من البيت العتيق ألقيت كلمة عن الاستغفار ومعناه وفضله وأثره وكان كلامي فيه الدليل والمنطق والعقل، فلما انتهيت من كلمتي القصيرة "وهي عادتي" طلب أحد الحاضرين الحديث معي على انفراد فقبلت الحديث معه فبدأ يسرد قصته مع الاستغفار .

أبو يوسف : أنا تزوجت ولله الحمد ولكن زوجتي تأخرت بالإنجاب فقمت ببذل الأسباب، ما سمعت عن طبيب إلى زرته ثم سافرت بعد ذلك للخارج التمس العلاج والكل يؤكد بقوله : "ما منك إلا العافية أنت وزوجتك" ، فرجعت إلى بلدي وكلي رجاء بالله –والله على كل شيء قدير- قلت : أسأل الله أن يرزقك الذرية الصالحة يا أبو يوسف وعليك بالدعاء خاصة أنك في أيام عظيمة وفي مكان عظيم وأنت مجاور البيت العتيق أبو يوسف: آمين لكن بعد لم أكمل قصتي .

قلت : كمل يا أبو يوسف وكلي أذن صاغية .

أبو يوسف : في يوم من الأيام وأنا أستمع لإذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية سمعت من يقرآ الآية التي ذكرتها يا شيخ في كلمتك من سورة نوح { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } (سورة نوح : 10-1 )، فشرح الشيخ الآية وبين أن الاستغفار طريق لجلب الأطفال فعلقت الكلمات في بالي فلما رجعت للمنزل قلت لزوجتي ما سمعت ، ثم عزمنا على أخذ العلاج "الاستغفار" ليلا ونهارا سرا وعلانية "تدري يا شيخ ما حصل" ؟ زوجتي حملت بنفس الشهر الذي استغفرنا فيه وجاء "يوسف" والحمد لله , قلت : ما شاء الله صدق الله وهو خير الصادقين "والله لا يخلف الميعاد" وقال تعالى : " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا "

أبو يوسف : يا شيخ إلى الآن لم تنته قصتي بعد , قلت : خلاص جاك الولد "شنو بعد" أبو يوسف : لما انتهت زوجتي من النفاس قلت لها : استغفري يا أم يوسف للثاني فاستغفرنا مثل الأول فحملت بنفس الشهر، وجاء الثاني بحمد الله ولما انتهت من نفاسها الثاني، قلت استغفري يا أم يوسف قالت نريد ثالث فاستغفرنا فجاء الثالث ولله الحمد، فما انتهت زوجتي من نفاسها قالت يا أبو يوسف وقِّف عن الاستغفار "بنية الأولاد" شوي حتى يكبر الأولاد وبعدها نرجع نستغفر للرابع بإذن الله .

قلت : الله يبارك لك بما رزقك ويجعل ذريتك قرة عين خالصة إني رأيت آية من آيات الله فيك وفي زوجتك وفي ذريتك , أبو يوسف : آمين الله يستجيب دعاءك لكن يا شيخ ما خلصت بعد قصتي , قلت : ما انتهت الأحداث بعد ؟ أكمل يا أبا يوسف .

أبو يوسف : بعدما كبر الأولاد قليلا قلت لأم يوسف عندنا ثلاثة أولاد ونرجو من الله أن يرزقنا "بنت حلوة" استغفري يا أم يوسف وأنت ترجين بنتا فسكت أبو يوسف قلت : الله يرزقك البنت كما رزقك الأولاد يا أخي الكريم , أبو يوسف : أبشرك يا شيخ أنا اليوم جئت الحج وزوجتي في النفاس مع بنتها الجديدة "انتهت قصة أبو يوسف" .

القصة السابقة فيها عدة أمور لابد نتعرف عليها حتى تكتمل المعاني :

1- بأن معك الاستغفار وفضله وأثره .                                 2- الاستغفار يؤثر على حسب نية المستغفر أي لأي شيء تستغفر لطلب مال، ولد، نجاح، توبة، فعلى نية المستغفر يكون الأثر بإذن الله

3- يحتاج الاستغفار لنية صادقة ومخلصة لله، وأن تدرك معناه وأن تفهم المراد منه فالنية لها أثرها في حياتك كلها .

4- الله لا يخلف الميعاد وإذا تخلف الأثر، فأعلم أن هناك أمرا تسبب به

5- الاستغفار كالدعاء إما يأتيك ما طلبت، وإما يأتيك غير طلبك، وإما يصرف عنك سوءاً بسبب استغفارك، أو أن يدخر الله لك ما استغفرت ليوم القيامة فيجازيك جزاء الضعف عنده جل وعلا .

إلى هنا ونكمل في الحلقة القادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه الحلقة الرابعة والتسعون في موضوع التوبة وهي بعنوان :

#"أكثروا الاستغفار واقضوا حوائجكم بالاستغفار" .

فما بالنا نقلل من شأن هذه الكلمة "استغفر الله" ما بالنا لا نستغفر الرحمن ولو لدقائق معدودة عند الصباح والمساء والنوم، فوقتها قصير وأثرها جد عميق، فيا شاكي الفقر استغفر الله يرزقك ويكسبك، ويرزقك القناعة فتحس أنك غني، وأنت أفقر الناس، ويا أختي العاقر  لا تيأسي من أن تستغفري الله فهو الرزاق، وهو الولي في الدنيا والآخرة، وهو خير الرازقين، ويا أختي الطالبة استغفري الله إذا تأزمت المواقف وعجز العقل عن الحل .

استغفروا الله، فإن الله هو المبتلي بجميع البلايا ليختبر قلوب عباده، وهو المعافي منها، والقادر على فك وتفريج الكربات

 هذه الكلمة مكونة من عشرة أحرف، ولكن أجرها عظيم عند الله، ولو تأملناها لوجدنا الدواء الذي نغفل عنه جميعا فمن منا لا يريد السعادة والراحة لنفسه القلقة، ومن منا لا يريد دواء لكل داء، ومن منا لا يريد أنهارا تمتد لتستمر الحياة، فقولوا جميعا : "استغفر الله" .

#" من لزم الاستغفار وقصة الزلزال "

في زلزال باكستان المعروف والذي بلغ ضحاياه الألوف شاءت عناية الله عز وجل أن تنقذ هذا الرجل من موت محقق.

كان في بيته عندما وقع الزلزال تناول طعامه ثم ذهب إلى مكان نومه لينال قسطا من الراحة وبينما هو مستلق على فراشه حدث الزلزال المدمر أخذت الغرفة ترتج بقوة، بل البيت كله ؛ بدأ السقف يتشقق من فوقه وهو ينظر إليه، من شدة هول المفاجأة لم يستطع أن يتحرك من مكانه، بدأت أركان الحجرة تتساقط أمام عينيه فما كان منه إلا أن أخذ في الاستغفار يقول : استغفر الله .. استغفر الله بصورة مستمرة، وبدأ السقف في السقوط كل هذه الأحداث مرت في وقت قصير جدا لا يتعدى بضع دقائق وأراد الله عز وجل لهذا الرجل النجاة .

يقول عن نفسه : "وبالفعل سقط السقف المتكون من طبقة خرسانية سميكة لكن ولله الحمد تناثرت أجزاؤه في كل أنحاء الغرفة إلا الموضع الذي أنا فيه" وخرجت مسرعا وحمدت الله عز وجل .

قلت : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب»

#" ختم المجالس بكفارة المجلس "

لما كان الإنسان ضعيفا، وكان الشيطان حريصا على إضلاله، والسعي دوما إلى إغوائه، والنيل منه عن طريق اقترافه للسيئات فكان منه أن تربص بالمسلمين في مجالسهم، وأنديتهم محرضا لهم على قول الزور والباطل..... ولما كان الله رؤوفا بعباده شرع لهم على لسان نبيهم كلمات يقولونها، تكفر عنهم ما علق بهم من أدران ذلك المجلس، ثم امتن عليهم ربهم بأن جعل هذه الكلمات طابعا لمجلس الخير فالحمد لله أولا وآخرا , وهذه الكلمات جاءت في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال صلى الله عليه وسلم : «من جلس في مجلس كَثُر فيه لَغطه فقال قبل أن يقوم : سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك» (رواه أحمد) وعند الترمذي «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» .

ومن حديث عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عائشة –رضي الله عنها- عن الكلمات فقال : «إن تكلم بخير كان طابعا عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له، (سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك »(رواه النسائي وأحمدوالحاكم) .

وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- أنه لم يكن يجلس مجلسا كان عنده أحد أو لم يكن إلا قال : "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به جنتك وارزقني من اليقين ما تهون به عليّ مصائب الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، اللهم اجعل ثأري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي، اللهم لا تسلط عليّ من لا يرحمني" فسئل عنهن ابن عمر –رضي الله عنهما- فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم بهن مجلسه (صحيح الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي ووافقه) .

وفي الختام  (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي ، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ)

وهذه الحلقة آخر حلقات هذا البحث المهم ( التوبة )

 إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله من كل ذنب وخطيئة

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين   

 

 

 

 

 

 

التوبة

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}   وقال :{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }

 

جمع وتأليف الدكتور / مسفر بن سعيد دماس الغامدي